تحليل شامل ومُحدَّث لمراسيم المجلس الرئاسي الليبي: شرعية مُتَنازَع عليها وتأثير مُرْتَقَب على المسار السياسي
بقلم : المهندس . أسامة محمد : 5 مايو 2025
في خطوة مفاجئة ومُثيرة للجدل، أصدر رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، في التاسع والعشرين من أبريل 2025، ثلاثة مراسيم رئاسية دفعة واحدة.
شملت هذه المراسيم قرارات تتعلق بوقف العمل بقانون المحكمة الدستورية العليا، وتنظيم انتخاب المؤتمر العام للمصالحة الوطنية، وإدارة عمل المفوضية الوطنية للاستفتاء والاستعلام الوطني.
لم يمضِ وقت طويل حتى تصاعدت أصوات الاعتراض، ليس فقط من مؤسسات سياسية أخرى، بل ومن داخل المجلس الرئاسي نفسه، مما يلقي بظلال كثيفة من الشك على شرعية هذه القرارات وتأثيرها المحتمل على مستقبل ليبيا السياسي والقانوني.
يستدعي هذا الوضع تحليلاً معمقاً يأخذ في الاعتبار طبيعة المجلس الرئاسي، وصلاحياته المحددة، وآليات اتخاذ القرار المتفق عليها، بالإضافة إلى السياق القانوني والدستوري الأوسع.
الإطار القانوني والسياسي للمجلس الرئاسي:
تأسس المجلس الرئاسي الليبي كثمرة لمحادثات ملتقى الحوار السياسي الليبي الذي انعقد في جنيف تحت رعاية الأمم المتحدة عام 2021.
وقد تم منحه ولاية مؤقتة لإدارة شؤون البلاد خلال المرحلة الانتقالية والإعداد للانتخابات العامة.
ووفقاً للمادة الأولى من الباب الخاص بالسلطة التنفيذية الموحدة المنبثقة عن هذا الملتقى، فإن المجلس الرئاسي مُلزم بتنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية في المواعيد المحددة.
كما يخضع المجلس للإجراءات الصادرة عن ملتقى الحوار السياسي الليبي ويُحال إلى الاتفاق السياسي الليبي والتشريعات النافذة فيما لم يتم النص عليه أو تنظيمه.
أكدت البعثة الأممية أن المجلس الرئاسي يتولى صلاحيات إصدار القرارات اللازمة لحماية المسار السياسي وضمان الالتزام بالأحكام القضائية النهائية الصادرة عن المحكمة العليا.
ومع ذلك، فإن المادة الثالثة من الباب الخاص بآلية اتخاذ القرار تنص بوضوح على أن “يتخذ المجلس الرئاسي جميع قراراته بالإجماع، ويقع باطلا كل قرار يصدر على خلاف ذلك”.
اعتراض نائب رئيس المجلس الرئاسي: نقطة ارتكاز للجدل:
في تطور لافت، أعلن نائب رئيس المجلس الرئاسي، عبد الله اللافي، رفضه الصريح لهذه المراسيم.
استند اللافي في اعتراضه إلى المخالفة الصريحة لآلية اتخاذ القرار المتفق عليها، مؤكداً أن “إصدار المراسيم الرئاسية يتطلب قراراً جماعياً للمجلس الرئاسي وأن أي إعلان منفرد هو والعدم سواء ولا يُرتب أثراً دستورياً أو قانونياً”.
هذا الرفض من قبل أحد أعضاء الهيئة الرئاسية يطعن بشكل مباشر في شرعية المراسيم ويثير تساؤلات جدية حول مدى قانونيتها وإمكانية تنفيذها.
اللافت هو أن اللافي لم يفصح بعد عن الأسباب التفصيلية لاعتراضه على محتوى المراسيم نفسها مما يفتح المجال للتكهنات حول دوافعه التي قد تكون فنية أو تشريعية أو حتى ذات أبعاد سياسية أو جهوية.
تحليل المراسيم في ضوء الاعتراضات والإطار القانوني:
مرسوم وقف العمل بقانون المحكمة الدستورية العليا (رقم 1 لسنة 2025): استند المجلس الرئاسي في هذا المرسوم إلى حكم صادر عن الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا يشير إلى عدم دستورية القانون رقم 5 لسنة 2023 الصادر عن مجلس النواب.
وقد استند المرسوم إلى صلاحية المجلس في “ضمان الالتزام بالأحكام القضائية النهائية الصادرة عن المحكمة العليا”.
ومع ذلك، يرى رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، أن تنظيم القضاء وإنشاء المحاكم يقع ضمن الاختصاص الأصيل للمشرع، معتبراً مرسوم المجلس الرئاسي “تغولا” على عمل السلطة التشريعية و”منعدما”.
يضاف إلى ذلك أن المادة 32 من الإعلان الدستوري لسنة 2011 تؤكد على استقلالية السلطة القضائية.
إن إصدار مرسوم بوقف العمل بقانون صادر عن السلطة التشريعية، حتى بناءً على حكم قضائي، يمثل خطوة حساسة تتطلب إجماعاً وتوافقاً واسعاً، وهو ما يبدو غائباً هنا.
مرسوم انتخاب المؤتمر العام للمصالحة الوطنية (رقم 2 لسنة 2025): يهدف هذا المرسوم إلى إشراك المجالس البلدية في عملية المصالحة الوطنية من خلال انتخاب أعضاء للمصالحة على مستوى كل بلدية وتمثيلهم في مؤتمر عام.
يُعد إطلاق مسار المصالحة الوطنية من ضمن اختصاصات المجلس الرئاسي المنصوص عليها، ومع ذلك، فإن إصدار هذا المرسوم بشكل منفرد، دون إجماع، قد يثير تساؤلات حول مدى تمثيله للإرادة الجماعية وأهدافه في تحقيق مصالحة وطنية شاملة ومستدامة.
مرسوم بشأن المفوضية الوطنية للاستفتاء والاستعلام الوطني (رقم 3 لسنة 2025): يسعى هذا المرسوم إلى تنظيم عمل المفوضية وتحديد اختصاصاتها في إدارة الاستفتاءات والاستعلامات الوطنية، بما في ذلك الإشراف وإعلان النتائج، بالإضافة إلى إعادة تشكيل مجلس إدارتها.
يتماشى هذا مع الدور التنفيذي للمجلس الرئاسي في تهيئة الظروف للاستحقاقات الانتخابية أو الاستفتاءات المستقبلية المنصوص عليها في خارطة الطريق السياسية.
إلا أن توقيت هذا المرسوم وتشكيل مجلس الإدارة الجديد، في ظل الخلافات القائمة حول شرعية القرارات، قد يثير مخاوف بشأن استقلالية ونزاهة المفوضية في المستقبل.
رئيس المجلس الرئاسي يصف المراسيم بـ"إنقاذ وطني" وسط تباين في المواقف:
في تطور جديد للأحداث، وجّه رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، خطاباً رسمياً لأعضاء المجلس، وصف فيه المراسيم الأخيرة بأنها انطلاق لـ”إجراءات الإنقاذ الوطني”.
وذكر المنفي، بحسب التصريح الجديد، ستة اختصاصات لا تتطلب إجماع الأعضاء (الأغلبية قد تكون كافية)، مشيراً إلى أن الحزمة الأولى من هذه الإجراءات تتضمن المراسيم الرئاسية الثلاثة التي تستهدف مجلس النواب.
هذا التصريح يمثل محاولة من رئيس المجلس لتبرير إصدار القرارات وتأكيد قانونيتها حتى في ظل الاعتراضات وغياب الإجماع الظاهر. إلا أن هذا التفسير يظل محل خلاف مع موقف النائب عبد الله اللافي الذي يشدد على ضرورة الإجماع في جميع قرارات المجلس.
غياب الإجماع وتداعياته على الشرعية:
إن جوهر الأزمة الحالية يكمن في عدم الالتزام بآلية اتخاذ القرار بالإجماع داخل المجلس الرئاسي رفض نائب رئيس المجلس لهذه المراسيم، استناداً إلى هذا الأساس، يقوض بشكل كبير من شرعيتها القانونية والسياسية.
فإذا كان الاتفاق السياسي ومخرجات جنيف قد نصا صراحة على ضرورة الإجماع في اتخاذ القرارات فإن إصدار مراسيم بهذه الأهمية دون تحقيقه يفتح الباب أمام الطعن في قانونيتها ويضعف من قدرتها على التنفيذ وتحقيق الأهداف المرجوة.
تضارب المؤسسات وتعميق الأزمة:
يُضاف إلى ذلك رد رئيس مجلس النواب الذي يرفض بشكل قاطع مرسوم وقف العمل بقانون المحكمة الدستورية العليا، مؤكداً على أن هذا الأمر يقع ضمن صميم عمل السلطة التشريعية.
هذا التضارب العلني بين مؤسستين رئيسيتين في الدولة يزيد من حالة الاستقطاب السياسي ويعمق الأزمة المؤسسية في ليبيا، مما يعرقل الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار وإجراء الانتخابات.
تأثير وتضارب بيان الأحزاب السياسية على تحليل مراسيم المجلس الرئاسي:
بعد صدور المراسيم الرئاسية المثيرة للجدل من رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، لم يتأخر رد الفعل من قبل الأطراف السياسية الأخرى في ليبيا.
وقد جاء بيان الأحزاب السياسية الليبية ليُضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى هذا المشهد السياسي المتأزم.
تهمة الجمود مقابل معارضة التحرك:
من اللافت للانتباه، كما أشرت، أن بيان الأحزاب السياسية يتهم المجلس الرئاسي بالجمود والتراخي خلال السنوات الماضية، خاصة فيما يتعلق بالاستحقاقات الانتخابية ومعالجة الانقسام السياسي.
هذا الانتقاد يُصور المجلس الرئاسي على أنه قوة غير فاعلة تعيق التقدم السياسي في البلاد.
ومع ذلك، فإن التحرك المفاجئ للمجلس الرئاسي بإصدار هذه المراسيم، التي تهدف ظاهرياً إلى معالجة بعض القضايا الأساسية مثل المحكمة الدستورية والمصالحة الوطنية والاستفتاء، قوبل بمعارضة شديدة من قبل نفس الأحزاب.
هذا التناقض الظاهري يثير تساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراء موقف هذه الأحزاب.
فهل كانت تنتظر حقاً تحركاً من المجلس الرئاسي، أم أن معارضتها نابعة من مخاوف أخرى؟
احتمالية إجراء استفتاء شعبي وكسر الجمود:
أشرت إلى احتمال أن تكون قرارات المراسيم الرئاسية تهدف إلى تمهيد الطريق لإجراء استفتاء شعبي، وهو ما قد يُفسر تحرك المجلس الرئاسي بعد فترة من الجمود كما وصفته الأحزاب.
إذا كان هذا هو الهدف بالفعل، فإن المراسيم المتعلقة بتنظيم الاستفتاء والاستعلام الوطني تكتسب أهمية خاصة.
فإعادة تشكيل المفوضية الوطنية للاستفتاء وتحديد اختصاصاتها قد تكون خطوة ضرورية نحو طرح القضايا الخلافية على الشعب الليبي ليقول كلمته فيها، وبالتالي كسر حالة الانسداد السياسي التي طال أمدها.
تضارب المصالح وسعي محتمل للاستمرار في السلطة:
يجادل بيان الأحزاب السياسية بأن تحرك المجلس الرئاسي الحالي مدفوع بمصالح ذاتية وسعي محموم للاستمرار في السلطة، وليس استجابة حقيقية لنداءات الشعب أو رغبة صادقة في إنقاذ الوطن.
هذا الاتهام يعكس عمق الشك وعدم الثقة بين الأطراف السياسية الليبية، إذا كانت الأحزاب ترى أن المراسيم تهدف إلى تعزيز سلطة المجلس الرئاسي أو تأخير الانتخابات، فإن معارضتها تصبح أكثر وضوحًا، حتى لو كانت تتناقض مع انتقاداتها السابقة لجمود المجلس.
تأثير ذلك على المسار السياسي:
معارضة عدد كبير من الأحزاب السياسية لهذه المراسيم، كما يتضح من البيان الذي وقعه 30 حزباً (يمثلون حوالي 10% من الأحزاب المرخصة)، يُضعف بشكل كبير من شرعية هذه القرارات ويُقلل من فرص تنفيذها على أرض الواقع.
هذا التضارب بين المجلس الرئاسي والأحزاب السياسية قد يُعمق الأزمة المؤسسية ويزيد من حالة الاستقطاب السياسي في البلاد، مما يُعيق أي جهود حقيقية لتحقيق الاستقرار وإجراء الانتخابات.
تأثير غياب بيان الأغلبية الصامتة من الأحزاب السياسية:
بالإضافة إلى بيان الأحزاب الثلاثين المعارضة لمراسيم المجلس الرئاسي، من الضروري الأخذ في الاعتبار حقيقة أن هناك عدداً كبيراً من الأحزاب السياسية الأخرى المرخصة في ليبيا (حوالي 160 حزباً) لم تصدر أي بيان بشأن هذه التطورات حتى الآن.
هذا الصمت من جانب الغالبية العظمى من الأحزاب يثير تساؤلات مهمة حول مواقفها ودوافعها المحتملة.
أسباب محتملة لصمت الأغلبية:
الدعم الضمني للمراسيم: قد يكون بعض هذه الأحزاب يؤيد بشكل ضمني قرارات المجلس الرئاسي ويرى فيها خطوة إيجابية نحو كسر الجمود السياسي أو تحقيق الاستقرار.
الحياد أو عدم الحسم: ربما يفضل البعض الآخر من الأحزاب اتخاذ موقف محايد في الوقت الحالي، أو أنها لم تتخذ قراراً نهائياً بشأن هذه القضية بسبب انقسامات داخلية أو رغبة في تقييم الوضع بشكل أعمق قبل الإعلان عن موقفها.
الخوف من التهميش أو الانتقام: في ظل الأوضاع السياسية المتقلبة في ليبيا، قد تخشى بعض الأحزاب الأصغر أو الأقل نفوذاً من التعبير عن معارضتها للمجلس الرئاسي علناً، خوفاً من التهميش أو أي إجراءات انتقامية محتملة.
ضعف التنظيم أو القدرة على إصدار بيانات: قد يفتقر العديد من هذه الأحزاب إلى التنظيم القوي أو الموارد اللازمة لإصدار بيانات رسمية ومنسقة في مثل هذه الظروف.
عدم الاتفاق مع البيان الصادر ولكن تفضيل الصمت: قد تتفق بعض الأحزاب مع مضمون البيان من حيث القلق إزاء المراسيم، لكنها قد تختلف مع اللهجة أو التوقيت أو ترى أن إصدار بيان في هذا الوقت قد يكون غير مُجدٍ أو حتى مُضراً.
تأثير صمت الأغلبية على التحليل:
غياب بيان من هذه الأغلبية الصامتة يُضيف طبقة من الغموض إلى تقييم الوضع.
فبينما يُظهر بيان الأحزاب الثلاثين وجود معارضة واضحة لمراسيم المجلس الرئاسي، فإن صمت الأغلبية يُشير إلى أن هذا الموقف ليس بالضرورة إجماعاً من قبل جميع القوى السياسية في البلاد.
قد يعني هذا أن هناك دعماً ضمنياً للمجلس الرئاسي أو على الأقل تردداً كبيراً في معارضته علناً.
تمثل المراسيم الرئاسية الأخيرة الصادرة عن رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي تطوراً خطيراً في المشهد السياسي الليبي.
فبينما قد يكون الدافع وراءها هو محاولة لكسر الجمود ودفع العملية السياسية للأمام، فإن الطريقة التي تم بها إصدار هذه القرارات، في ظل غياب الإجماع الداخلي والاعتراضات الصريحة من نائب رئيس المجلس ومن رئيس مجلس النواب، تثير تساؤلات جدية حول شرعيتها القانونية والدستورية.
إن الإصرار على تجاوز آلية اتخاذ القرار المتفق عليها يُنذر بتعميق الانقسام المؤسسي وتقويض الثقة في القرارات الصادرة.
إن الحاجة إلى حوار شامل والتزام بالإطار القانوني والدستوري، بمشاركة جميع الأطراف المعنية، تبقى هي السبيل الوحيد للخروج من الأزمة الراهنة وتحقيق الاستقرار والوحدة في ليبيا.
إن مستقبل العملية السياسية يعتمد بشكل كبير على كيفية التعامل مع هذه التطورات والالتزام بمبادئ التوافق والشرعية.


