“في ساحة الشهداء بطرابلس، ترتفع أصوات الموسيقى الصاخبة احتفالاً بالذكرى الـ 15 لثورة 17 فبراير، لكنها تفشل في التغطية على صوت ‘قرقرة أمعاء’ الليبيين الذين يراقبون سعر الدولار وهو يكسر حاجز الـ 10 دينارات.
ليبيا اليوم، لم تعد بلداً يبحث عن ديمقراطية، بل أصبحت ‘ساحة مقايضة’ بين نخبٍ ورثت الثورة وحولتها إلى ‘صكوك ملكية عائلية’.”
جاءت هذه الذكرى مثقلةً برائحة البارود القادم من الزنتان مقتـل سيف الإسلام القذافي قبل أسبوعين لم يكن مجرد تصفية لخصمٍ سياسي، بل كان ‘إزاحة جراحية‘ لطرف ثالث كان يهدد ‘الاستقرار الهش’ بين طرابلس وبنغازي.
بينما كان ‘الكوماندوز’ يعطل كاميرات المراقبة، كان يعطل معها فصلاً كاملاً من تاريخ ‘الجماهيرية’، تاركاً الساحة لصدام وخالد حفتر من جهة، وإبراهيم وعبد الحميد الدبيبة من جهة أخرى، ليرسموا ملامح ‘ليبيا الجديدة’ تحت حماية الدبابات والميزانيات المليارية
يشرح المحلل تيم إيتون (تشاتام هاوس) المشهد بحدة جراح: ‘المؤسسات الليبية أصبحت جوفاء من الداخل’.
السلطة تتركز في يد عائلة حفتر، حيث تم ‘ترسيم الخلافة’ علناً عبر رؤية 2030.
عائلة الدبيبة تسيطر على المصالح المالية الحيوية. هذا ‘الثنائي العائلي’ يحكم بلداً ينمو ناتجه المحلي بنسبة 13% بفضل النفط لكن هذا النمو لا يصل إلى جيوب المواطنين، بل يتبخر في ‘متاهات الإنفاق العام’ التي تخدم بقاء النخب
كما ذكرت كلوديا غازيني وعماد الدين بادي لـ ‘نوفا’، فإن الاحتفال بـ 17 فبراير أصبح ‘ترفاً‘ لا يستطيعه من يعجز عن توفير قوت يومه.
خلال الأشهر الأخيرة، تلاشت الطبقة الوسطى الليبية تماماً.
مع تجاوز الدولار حاجز الـ 10 في السوق الموازية، ومع حلول شهر رمضان، أصبح الليبيون يتساءلون: ‘هل كان الأمر يستحق كل هذا العناء؟’.
المستفيدون من ‘الوضع الراهن’ هم الوحيدون الذين يملكون الطاقة للاحتفال، أما الثوار الحقيقيون فهم يراقبون بصمت كيف تحولت ثورتهم إلى ‘حفلات تنكرية’ لإضفاء الشرعية على القادة الجدد.”
تتزامن الذكرى مع سباق محموم بين ‘خارطة طريق’ هانا تيتيه (الأمم المتحدة) وبين ‘قناة مسعد بولس’ (واشنطن).
المشير حفتر أعلن دعمه لـ ‘تيتيه’ ظاهرياً، لكنه في الواقع يُنفذ ‘رؤية 2030’ التي تضمن له ولأبنائه السيطرة الميدانية، بينما تستمر طرابلس في استخدام ‘الجريدة الرسمية’ وسيلة لشرعنة قراراتها.
‘يا نما نيوز، في ذكرى فبراير الـ 15، هل نحن نحتفل بسقوط القذافي أم بصعود القذافيين الجدد بأسماء مختلفة؟‘
يا عبد المنعم، في قاموس البورصة، السياسة هي ‘عملية استبدال أصول’.
الشارع الليبي اليوم يشعر بمرارة لأن ‘الرموز’ تغيرت لكن ‘الآليات’ بقيت كما هي: إنفاق مبهم، سيطرة عائلية، وتدخل خارجي.
الفرق الوحيد أن القذافي كان يقول ‘أنا الدولة’، بينما اليوم هناك أطراف متعددة تقول ‘أنا الميزانية’.
السؤال ليس من يحكم، بل متى تتوقف هذه ‘المرحلة الانتقالية’ التي أصبحت أطول من عمر الثورة نفسها.
بعد 15 عاماً، يبقى 17 فبراير تاريخاً محفوراً في الذاكرة، لكنه فقد بريقه كفعلِ تغيير. ليبيا اليوم هي بلد ‘الفرص الضائعة’ حيث النفط يتدفق بـ 1.3 مليون برميل، والناس تجوع.
إن اغتيال سيف الإسلام قبل الذكرى بأيام هو تذكير صارخ بأن الماضي لا يموت في ليبيا، بل يُقتل ليفسح المجال لمستقبلٍ غامض يُطبخ في باريس وروما وواشنطن.
فبراير يرحل، ويبقى السؤال: متى سيبدأ الليبيون احتفالهم الحقيقي بدولة المؤسسات، لا بدولة العائلات؟“

