“خذوني أنشد في شوارع طهران.. خذوني لأفرح بوجع الطغيان!
خذوني لساحة ‘آزادي’ لأكبّر، وأُسمع شارع ‘انقلاب’ بأن التكبير فيك للعدو عذاب!
هنا في صنعاء، لم نعد نسمع صوت الريح، بل صدى الحناجر الفارسية وهي تزلزل الأرض: ‘انتقام.. انتقام.. لا استسلام!’ خذوني أنادي الشعوب العربية: لقد تاهت عروبتنا في دهاليز الفنادق، ورفعت راية الشرف أيادٍ فارسية حيدرية.. خذوني بسنتي، خذوني بعروبتي.. لقد أحيا قلبي عزة السيوف التي لا تنكسر!”
أغمض عينيك وتخيل هذا المشهد السينمائي الذي يهز أركان المنطقة: في أزقة صنعاء القديمة، وبين جبال مران الشامخة، يقف المقاتل اليماني، يشدّ جعبة حربه بصلابة كمن يربط قدره باليقين.
عينه لا تفارق أفق “باب المندب“، يرقب حركة الموج كصيادٍ ينتظر لحظة الانقضاض، لكنّ أذنه معلقة بصداٍ آتٍ من بعيد.. صداً يكسر حدود الجغرافيا واللغة.





إنه زئير الملايين في “ساحة آزادي“ وشارع “انقلاب“
هناك، في قلب طهران يقف الشعب الإيراني خلف جيشه كالبنيان المرصوص، يهتفون بصرخة واحدة تحبس أنفاس العواصم الغربية: “انتقام.. انتقام.. لا استسلام!”
لم يعد هذا الشعار إيراني الهوية فحسب، بل صار “لحناً يمنياً” بامتياز، يتردد صداه في شعاب “فج عطان”، ففي طهران يطلبون الثأر لـ “ميناب”، وفي جبال اليمن يلبّون النداء بصرخة تهزّ الوجدان: “لبيكِ يا طهران.. ولبيكِ يا قدس“



هذا هو “الالتحام الوجداني“ الذي لم ترصده رادارات واشنطن ولم تحسب له غرف عمليات “سنتكوم” أي حساب.
إنها “القوة الناعمة“ التي كُتبت بالدم لا بالحبر؛ فكيف للعدو أن يحارب شعباً يرى في “وجع الطغيان” عيداً للكرامة، وفي لمعة “السيوف الحيدرية“ صلاةً للفتح؟
نحن أمام عملية “صهر للهوية القتالية“ لم يشهدها التاريخ الحديث؛ حيث

















تخيل اللحظة التي سكنت فيها الأنفاس.. حين أطلّ السيد عبد الملك الحوثي، لم يكن مجرد قائدٍ يلقي خطاباً
سياسياً عابراً، بل ظهر كـ “مهندسٍ لمصير المنطقة”، يمسك بيده بندول الزمن ليعيد ضبط عقارب الساعة على توقيت الميدان الحقيقي.






لم تكن كلماته مجرد خطاب للذكرى، بل كانت “رواية حربية“ تُكتب فصولها بمداد الدم، ويُعجن ورقها بغبار البارود اليمني الأصيل.
فتح السيد دفتراً للوجع، “جردة حساب” تجعل الصخر يلين؛ استعرض ملامح 60 ألف شهيد وجريح، قصصهم ليست أرقاماً، بل هي أحلام سحقتها الصواريخ. حدّثنا عن مدارس أصبحت ركاماً لذكريات الطفولة، ومستشفيات استُهدفت بوحشية “أطلسية” لا تعرف معنى الرحمة.
وفي زوايا البيوت المنكوبة، يكمن الوجع الأكبر: مليون و400 ألف إنسان قتلتهم الأمراض والجوع المتعمد، في عملية “تسييل ممنهج” للأرواح البشرية، أرادوا بها كسر إرادة شعبٍ، فإذا بهم يكسرون نصل سيوفهم على صخره.
لم يكتفِ العدو بالأرواح، بل امتدت يده لنهب أرزاق الفقراء تحدّث السيد بحرقةٍ عن 57 مليار دولار نُهبت من ثروات الشعب اليمني، ذهبٌ أسود يُباع لتمويل قتلهم، بينما يقبع الموظف اليمني تحت وطأة “تعذيب الرواتب”، صامداً بكرامته رغم محاولات التجويع التي أرادت تحويل “العزة” إلى “تبعية”، لكن اليمن ظلّ عزيزاً بفقره، غنياً بإبائه.
ووسط هذا الأنين الممتد من صنعاء إلى صعدة، برز بصيص النصر.
أعلن السيد استلهام القوة من “زخم الصواريخ الإيرانية” التي شقت عباب السماء، وحطمت “غرور الباتريوت” كما يحطم الحق كبرياء الباطل.
لم يكن مجرد إعجاب عسكري، بل كان “إعلان وفاء”؛ فالشعب الذي لم يجد نصيراً في جراحه سوى طهران، يعلن اليوم بلسان قائده: لن نتردد في أداء واجب الوفاء، ودماؤنا هي الضمانة الأكيدة لنصرة طهران وفلسطين.. فالمصاب واحد، والعدو واحد، والفجر بات قريباً جداً.













أمام هذا الخطاب، لم تجد مراكز الدراسات في “تل أبيب” و”واشنطن” بداً من الاعتراف بأن قواعد اللعبة قد دُفنت تحت رمال صنعاء.
إليك كيف قرأت العيون الغربية “نوايا السيد” من خلال عدستنا:
يوصف ما يفعله الحوثي بأنه “تأميم أخلاقي“ للحرب. اليمن لم يعد يقاتل من أجل حدوده، بل دخل مرحلة رد “دين الوفاء” لإيران التي لم تتركه وحيداً في ليالي الحصار العجاف.
هذا التحول الدراماتيكي حوّل اليمن من “طرف مدافع” إلى “رأس حربة إقليمي“، ليجد الكيان الصهيوني نفسه محاصراً بين “فكيّ كماشة”؛ كماشة التقنية في الشمال، وكماشة الانتحار القتالي في الجنوب.
الذي يلاحق نبض الأسواق، رفعت جملة السيد “سنبادر لأي تطورات” علاوة المخاطر الجيوسياسية إلى مستويات فلكية.
لم يعد اليمن ينتظر الفعل ليرد، بل امتلك الآن “خيار الانفجار“ الذاتي.
كل سفينة تعبر “المندب” باتت “سهماً مشكوكاً في قيمته”، وكل محاولة أمـريكـيـة لـتـغيير خـارطـة “الشرق الأوسط” ستصطدم بـ “لغم يماني” جاهز للتسييل العسكري في أي لحظة.
بمرارة تفيض وجعاً، وضع السيد “الأنظمة العربية” في ميزان الحقيقة؛ واصفاً إياهم بـ “الدروع الصهيونية”.
في لغة التحليل، هذه الأنظمة هي “أصول سياسية هالكة” ستنهار قيمتها وتتلاشى فور اندلاع “بركان المندب”.
التحذير لم يكن مجرد كلام، بل صك إدانة تاريخي يعلن أن زمن “تجميد الموقف” قد انتهى، وأن الانفجار القادم سيجرف كل من وقف حائط صدٍ خلف العدو.
اليمن لا يحتاج لأساطيل نووية؛ فخالقه منحه “باب المندب” ليكون “صمام الإغلاق الكلي” لرقبة العالم الاقتصادي.
وضع الموانئ اليمنية في حالة تأهب مما بداية “التسييل الكلي للتجارة الصهيونية”.
هي “هندسة الجوع مقابل الجوع”؛ فمن حاصر صنعاء بالأمس سيجد اليوم أن موانئه في “إيلات” و”أسدود” باتت مجرد “أطلال مهجورة” على خارطة الملاحة العالمية.
دعوة السيد للخروج المليوني يوم الجمعة هي “الاكتتاب الشعبي الأضخم“ في تاريخ المقاومة.
هذا الحشد البشري الذي سيغطي عين الشمس ليس مجرد تظاهرة، بل هو “التفويض المفتوح“ للقوة العسكرية بالضرب من حديد.
الملايين في الميادين هم “الغطاء الجوي” البشري الذي يحمي منصات الصواريخ، وهم الرسالة التي تقول للعدو: “إذا أردت قتالنا، فعليك أولاً أن تعبر فوق جثث الملايين الذين لا يرون في الموت إلا عزة“.

