



































انتفاضة ‘الديوان’ وشرعية الصناديق
نأخذكم اليوم في جولة استقصائية داخل أروقة القرار؛ حيث تتشابك خيوط “التوافق” مع طموحات “السيطرة”.
في مقالنا هذا، نكشف لكم كيف تحولت التعديلات الوزارية من مجرد إجراء إداري إلى “مناورة وجودية” في بورصة السياسة الليبية.
سنفكك معكم شفرات التغيير، ونرصد نبض الشارع الغاضب ونضع تحت “المجهر التكتيكي” صراع الشرعيات الذي يعيد رسم خريطة النفوذ في البلاد.
. المقدمة:الدبيبة يعيد ضبط الساعة التنفيذية بمارس 2026؛ محاولة لفرض “الأمر الواقع الإداري” في ظل انسداد الأفق التشريعي.
. المحور الأول: الحكومة تستثمر في “التوافق الثلاثي” (المنفي، تكالة، الدبيبة) كبديل لشرعية البرلمان المفقودة.
. المحور الثاني: حراك بنغازي يسعى لاستعادة “الأصول التشريعية” عبر تفعيل اللجان النوعية واختبار النصاب في جلسة 30 مارس.
. المحور الثالث: وزارة المرأة كنموذج لإعادة الهيكلة؛ تحويل الملف من “اجتماعي” إلى “أداة استحقاق انتخابي”.
. المحور الرابع: “تجديد الدماء” مناورة لامتصاص الغضب الشعبي، والزادمة في الجنوب لضمان “صمام أمان” جيوسياسي.
. المحور الخامس: البيان الثلاثي يعمل كـ “وثيقة تحصين” قانونية ضد تقلبات البرلمان وسحب الثقة.
. المحور السادس: صراع الهوية؛ هل الشرعية تُستمد من “النتائج الميدانية” أم من “نصوص الدستور”؟
. المحور السابع: تحليل الطاقم الجديد؛ مزيج من “تكنوقراط الأزمات” و”وجوه الرقمنة” لفرض واقع إداري جديد.
. المحور الثامن: الدبيبة يراهن على “الثغرات القانونية” في الاتفاق السياسي لتجاوز شرط اعتماد البرلمان.
. المحور التاسع: صمت الأجسام الموازية يُعد “انتحاراً سياسياً”؛ التصعيد هو الخيار الوحيد للبقاء في المشهد.
. المحور العاشر: نبض الشارع؛ التعليقات الرقمية تعلن “إفلاس الحكومة” في بورصة الثقة الشعبية.
. المحور الحادي عشر: المواطن يتساءل عن “إرث الثورة”؛ هل تحولت الحكومة المؤقتة إلى سلطة دائمة بـ “الأمر الواقع”؟
. المحور الثاني عشر: التناقض القانوني؛ الحكومة تستند لقرار “منح الثقة” وتتجاهل قرار “سحبها” في مفارقة عبثية.
. المحور الثالث عشر: صندوق بريد المواطن؛ فجوة عميقة بين “أحلام الرقمنة” و”واقع الأزمات المعيشية”.
. المحور الرابع عشر: خطر تآكل القيم؛ تجاوز التشريعات يغرس ثقافة “شريعة الغاب” في وجدان الأجيال القادمة.
. المحور الخامس عشر: “المسؤول المحصن”؛ التشبث بالسلطة كدرعٍ ضد المحاسبة القضائية المستقبلية.
إن شبكتنا الإعلامية، وهي تواكب تعقيدات المشهد الليبي، تؤكد التزامها الراسخ بالوقوف على مسافة واحدة من جميع القوى الفاعلة والرؤى السياسية.
إن هذا التقرير يهدف إلى تسليط الضوء على “إعادة هيكلة السلطة التنفيذية” بأسلوب تحليلي سردي، دون تبنٍّ لأي توجه سياسي أو أيديولوجي.
غايتنا الأسمى تظل تقديم الحقيقة كما هي، مع تمنياتنا القلبية بعودة الاستقرار لليبيا الحبيبة، وتحقيق تطلعات شعبها العظيم وفق إرادته الحرة والسيادية.
في مشهدٍ سياسيٍ استعصى طويلاً على الاستقرار، قرر رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، في مارس 2026، “إعادة ضبط عقارب الساعة” التنفيذية عبر تعديلٍ وزاريٍ موسع لم يكتفِ بتغيير الوجوه، بل أعلن “سيادة” الحكومة على الملفات الحيوية في لحظة اشتباكٍ مؤسسيٍ غير مسبوقة.
إن هذه الخطوة ليست مجرد إجراءٍ إداريٍ روتيني، بل هي إعلانٌ صريح عن رغبةٍ في فرض واقعٍ تنفيذيٍ جديد في ظل عجزٍ تشريعيٍ مستدامٍ عن الوصول إلى توافق.
نحن اليوم أمام حالةٍ من “الاستقطاب الحاد”؛ فحكومة الوحدة الوطنية تباشر إجراءات تغيير الحقائب الوزارية كخطوةٍ استباقيةٍ لترسيخ شرعيتها، بينما تشهد أروقة مجلس النواب —وتحديداً جبهة بنغازي— تمرداً تشريعياً يهدف لسحب “السيولة السياسية” من تحت أقدام الحكومة.
هذا التحرك وضع البلاد أمام خيارين لا ثالث لهما: إما القبول بـ “الأمر الواقع الإداري” الذي تفرضه الحكومة استناداً إلى تفسيراتها للاتفاق السياسي، أو الانزلاق نحو “عصيانٍ برلماني” يهدد بإسقاط ما تبقى من “سند الملكية” الدستوري الذي تستند إليه مؤسسات الدولة.
بين طرابلس الطامحة لفرض أمرٍ واقع، وبنغازي التي تحاول استعادة “الأصول” التشريعية من تحت رماد الجمود في طبرق، تقف ليبيا في مارس 2026 أمام استحقاقٍ فاصل: هل نعيش بداية العد التنازلي لإعادة ضبط التوقيت المؤسسي، أم أننا بصدد انقسامٍ أعمق يفتت ما تبقى من شرعيةٍ قانونيةٍ هشة؟
الشرعية التنفيذية في ميزان الاتفاق السياسي تستند الحكومة في تعديلاتها إلى تفسيرها للمادة (2) من الأحكام الإضافية للاتفاق السياسي. والحجة القانونية هنا تكمن في:








ترى الحكومة أن تعيين الوزراء وسد الشواغر هو التزامٌ أصيل لضمان “استمرارية المؤسسات” في ظل انسداد الأفق السياسي، مستندةً إلى أن الاتفاق السياسي منحها صلاحية إدارة الشأن العام إلى حين إجراء الانتخابات.
سعت الحكومة لاكتساب شرعية إضافية عبر “الاجتماع الثلاثي” (الدبيبة، المنفي، تكالة).
هذا التجمع يهدف إلى إضفاء صبغة “التوافق الوطني” على التعديلات، لتجاوز عقبة “اعتماد البرلمان”، حيث تعتبر الحكومة أن






















التوافق بين رؤساء المؤسسات الثلاث يمثل “حالة توافق عليا” تتقدم على الإجراءات الروتينية لمجلس النواب الذي تراه فاقداً للنصاب أو “مخطوفاً” بقرارات أحادية.
على الجانب الآخر، يرى الخصوم أن أي تعديل وزاري دون منح الثقة من مجلس النواب هو “اغتصاب للسلطة”.






















الحكومة ترد بأن هذا المجلس (في صورته الحالية) قد تجاوز مدته القانونية وأصبح “طرفاً سياسياً” يمارس الابتزاز، لا سلطة تشريعية محايدة تمنح وتنزع الثقة.
بينما تنشغل طرابلس بإعادة هندسة المشهد التنفيذي، تبرز في بنغازي حركةٌ برلمانية تتجاوز في طموحها مجرد “الاعتراض”؛ إنها محاولةٌ حثيثة لاستعادة السيطرة على “الأصول” التشريعية التي يراها النواب المتمردون رهينةً لجمود مكتب الرئاسة في طبرق.
النواب لا يخرقون اللائحة، بل يوقظون المواد (74-76) التي تمنح اللجان حق الانعقاد والرقابة.
لا ينبغي النظر إلى هذه الخطوة بوصفها مجرد تحركٍ إجرائي، بل هي محاولةٌ مدروسة لسحب “السيولة السياسية” من بين يدي الرئاسة الحالية.
فمن خلال الضغط لإعادة انتخاب اللجان النوعية – المستندة إلى المواد 74-76 من القانون – يسعى هؤلاء النواب إلى تحويل البرلمان من “أداة تصديق” متهالكة إلى “ساحة عمل” فاعلة قادرة على استعادة حق الاستدعاء والرقابة الذي جُمّد لسنوات.
إنها “إعادة إيداع” للثقل البرلماني في أيدي اللجان بدلاً من حصرها في مركز قرارٍ واحدٍ يميل إلى الشلل.
الموعد المضروب لجلسة بنغازي ليس مجرد اجتماع، بل هو اختبار لـ “شرعية النصاب” (المادة 97).
حيث يمثل هذا التاريخ نقطة الارتكاز في هذه المعركة؛ فهو ليس مجرد دعوةٍ لجلسة، بل هو اختبارٌ لنصابٍ برلمانيٍ متمرد.
إن نجاح النواب في تأمين الأغلبية سيحدث تصدعاً بنيوياً في المشهد: حيث ستتحول هذه الكتلة من “مؤسسة معطلة” إلى “سلطة موازية” تمتلك الشرعية الدستورية لفرض المساءلة.
وهذا ليس مجرد تحركٍ برلماني؛ بل هو تهديدٌ وجوديٌ للتعديل الوزاري الأخير للدبيبة، إذ سيصبح أي مرسومٍ حكوميٍ جديد عرضةً لطعنٍ قانونيٍ مباشر أمام القضاء الإداري، أو حتى أمام مطرقة “سحب الثقة” التي قد تُشهر في وجه الحكومة، مما يضع التوافق الثلاثي (المنفي، تكالة، الدبيبة) في مواجهةٍ مباشرةٍ مع شرعيةٍ برلمانيةٍ مستعادة.
إن الصراع لم يعد حول أسماء الوزراء أو مسميات الوزارات، بل حول مَن يملك حق تعريف “الشرعية” في ليبيا: هل هي حكومة تفرض “الأمر الواقع الإداري”، أم برلمانٌ يحاول انتزاع “الأصول التشريعية” من تحت الرماد في بنغازي؟


استبدال حورية الطرمال برندة غريب يحمل دلالات عميقة. إن “الوزارة” ليست مجرد مسمى، بل هي “صندوق أدوات”.
تهميش الأصوات النسائية التقليدية والبحث عن وجوه جديدة يعكس رغبة الحكومة في “إعادة ضبط” ملف المرأة ليكون جزءاً من “الاستحقاق الانتخابي” وليس مجرد ملف اجتماعي.
الإزاحة هنا تشير إلى رغبة في تحويل الوزارة إلى أداة لتمكين الفئات التي تراهن عليها الحكومة في أي انتخابات قادمة.
نحن أمام مسارين متوازيين: حكومة تراهن على “التوافق المؤسسي الأعلى” (المنفي، تكالة) لتمرير التعديلات وبرلمان يتمزق من الداخل ليستعيد “سلطة النصاب” في بنغازي.
إنها معركة “الأصول”؛ مَن يملك حق تعيين الوزراء ومَن يملك حق سحب الثقة؟
الإجابة لن تكون في نصوص الاتفاق السياسي وحدها، بل في قدرة كل طرف على فرض “الأمر الواقع” ميدانياً وقانونياً في الأيام المقبلة.
بمشرطٍ جراحي، أقدم رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة على إعادة ترتيب البيت التنفيذي، في خطوةٍ تجاوزت دلالتها الإدارية لتصبح مناورةً سياسية تهدف لتعزيز “ملاءة” الحكومة في وجه العواصف المتلاحقة.
إن هذه التعديلات ليست مجرد استبدالٍ للأسماء، بل هي محاولةٌ لإعادة ضخ “السيولة السياسية” في مفاصل دولةٍ تعاني من تآكل الأصول التنفيذية.
في لغة السياسة الليبية، تُستخدم هذه المفردة كـ “مسكنٍ” أولي لاحتقان الشارع.
ولكن في بورصة الأداء، يعني هذا الاستبدال أن الحكومة تحاول التخلص من “أصولٍ متهالكة” (وزراء أثقلتهم الأزمات) واستبدالها بـ “أسهمٍ جديدة” (تكنوقراط) لم تُختبر بعد في سوق الأزمات الليبية المعقدة.
إنها محاولةٌ للرهان على “القدرة التقنية” لمواجهة الانهيار الميداني قبل أن يداهم الوقتُ الحكومة.
إن الفراغ الإداري لم يكن أبداً مجرد صدفة، بل كان فجوةً تكتيكية تم ملؤها الآن بعناية.
فعندما نراقب استبدال الدكتور حورية الطرمال بالمهندسة رندة غريب في وزارة الدولة لشؤون المرأة، فنحن لا نشهد مجرد تدويرٍ وظيفي، بل إعادة صياغةٍ لـ “التوجه القيادي” لهذا الملف.
السؤال الجوهري هنا: هل ستتحول الوزارة الجديدة إلى أداةٍ ضاغطة تملك حق الوصول إلى مراكز القرار؟ أم ستظل “مكتباً شكلياً” لامتصاص النقد الحقوقي؟ إن الإزاحة في حد ذاتها تعكس صراعاً خفياً لإعادة توجيه ملف المرأة ليكون جزءاً من “الاستحقاق الانتخابي” القادم لا مجرد ملفٍ اجتماعيٍ رعوي.
لم يكن تعيين سالم معتوق الزادمة نائباً لرئيس الحكومة لشؤون المنطقة الجنوبية قراراً إدارياً؛ بل هو “صفقة استراتيجية” تهدف لامتصاص الضغوط في إقليم “فزان”، الذي يشكل العمق التنموي والأمني للبلاد.
إنها محاولةٌ من الدبيبة لتأمين أصول الدولة في الجنوب قبل أن تتحول إلى ورقة ضغط في يد المعارضة البرلمانية.
إن الحكومة تراهن بـ “رأسمالها الوزاري” الجديد على أن الإنجاز الفني سيكون كافياً لصد الطعون السياسية.
ومع ذلك، تظل التساؤلات معلقةً في ردهات البورصة الليبية: هل ستكفي هذه “الزيادة في الرأسمال الوزاري” لمواجهة ضغوط السوق الموازي، وسعر الصرف الذي بات يقض مضاجع المواطن؟ أم أننا نشهد محاولةً أخيرة لإعادة تدوير “شرعية التنفيذ” قبل فوات الأوان؟
لم يكن البيان الثلاثي الصادر عن المجلس الرئاسي، والمجلس الأعلى للدولة، ورئاسة الحكومة، مجرد نصٍ إجرائي عابر، بل كان “وثيقة تحصين” استراتيجية استُخدمت فيها المفردات بعنايةٍ جراحية لترسم حدوداً جديدة للمشروعية، بعيداً عن أروقة البرلمان المتعثرة.
وفيما يلي تفكيكٌ لدلالات هذا النص الذي يعيد تعريف قواعد اللعبة:












باختيارها لهذا المصطلح، تبتعد المؤسسات الثلاث عن فخ “القرار الأحادي”.
فكلمة “تداول” تعمل كدرعٍ قانونيٍ
وسياسي، يمتص هجمات المعارضين في البرلمان الذين يتهمون الحكومة بالتفرد؛ فهي رسالةٌ مفادها أن التغيير الوزاري هو نتاج “توافق مؤسسي” لا يملك أي طرفٍ منفردٍ حق نقضه.
تضع هذه المفردة الحكومة في دور “الحارس الأمين” على مؤسسات الدولة.
إنها تغلف التغيير الوزاري بغلافٍ من “الضرورة الأخلاقية”؛ إذ تحول الخطوة من مجرد تبديل في الحقائب إلى “واجبٍ وطني” لا يحتمل التأجيل.
هي مناورةٌ ذكية لانتزاع الشرعية من الإطار الإداري ووضعها في الإطار الوجودي: الاستمرارية مقابل الفراغ.
هذا الربط يمثل “القلب النابض” للبيان. إنها محاولةٌ من السلطة التنفيذية لإعادة استحضار روح الاتفاق السياسي كمرجعيةٍ عليا، قائلةً بوضوح إن شرعيتها تنبع من ذلك النص المؤسس، لا من “مزاجية البرلمان” في طبرق أو بنغازي التي تراه الحكومة اليوم رهينةً للانقسامات السياسية التي تعيق مسار الدولة.
تعترف هذه المفردة ضمنياً بوجود “قصور” في الهيكل السابق، لكنها تقدم “الحل التقني” كبديلٍ عن “المساءلة السياسية”.
فبدلاً من فتح تحقيقٍ في إخفاقات بعض الوزارات، اختارت الحكومة مسار “التعزيز” الذي يضخ دماءً جديدة دون أن يمس بأصل التوازنات السياسية القائمة.
البيان المشترك لم يكن صلحاً، بل كان “اتفاقية تحصين” عندما يوقع (المنفي، تكالة، الدبيبة)، فهم يبرمون عقداً ضد “التقلبات التشريعية”.
الحكومة تستخدم “الاتفاق السياسي” كـ “سند ملكية” لا يمكن انتزاعه؛ حيث تسعى لجعل توافقها مع الرئاسي والأعلى للدولة حصناً قانونياً يغنيها عن “اعتماد” برلمانٍ منقسم على ذاته.
التعليقات الرقمية التي رصدناها (أكثر من 500 تعليق غاضب) تؤكد أن الشعب “يبيع أسهم الحكومة” في سوق الثقة؛ فالحكومة تتحدث بلغة “التوافقات والمؤسسات”، بينما الشارع يقيس “العوائد” (الخدمات، سعر الصرف، الأمن) التي لا تزال دون مستوى التوقعات، مما يجعل هذه التحصينات القانونية تفتقر إلى “الغطاء الشعبي” اللازم لاستدامتها.
إن التشكيلة الوزارية التي أعلنها الدبيبة ليست مجرد “تدوير كراسٍ”، بل هي عملية “إعادة هيكلة تقنية” شاملة تهدف لسحب البساط من تحت أقدام التجاذبات السياسية.
إن هذا الكم من التغييرات يطرح تساؤلاً وجودياً: هل نحن أمام حكومة جديدة تماماً تحت مسمى “الاستمرارية”، أم أمام محاولة استباقية لامتصاص “أزمة الشرعية”؟ إليكم التشريح الدقيق لهذا الطاقم:





ترقية محمد علي الغوج من وكيل وزارة إلى وزير، تعكس رغبة الحكومة في “الاستمرارية التكنوقراطية”؛
فالغوج، بامتلاكه مفاتيح الأزمات الميدانية داخل أروقة الوزارة، يمثل “حارس البوابة” الذي يريد الدبيبة أن يحمي هذا الملف الحساس من الصدامات السياسية.
تكليف راشد أبوغفة يمثل “إدارة مخاطر”؛ فخلفاً لسابقه، يسعى الدبيبة لتثبيت شخصية إدارية محايدة تملك القدرة على




“حماية السيولة” وضبط الإنفاق في ظل ضغوط برلمانية متصاعدة تحاول خنق الحكومة مالياً.











تكليف محمد القريو (التربية والتعليم) ومحمد أحمد الدبيب (التعليم العالي والبحث العلمي) يمثل فصلاً استراتيجياً بين “التأسيس القاعدي”
و”الأكاديميا”؛ ليواجه القريو “أزمة الكتاب والمناهج”، بينما يواجه الدبيب “أزمة البحث العلمي والاعتمادات”.
هذا الفصل هو محاولة لـ “إدارة الأزمات” بشكل منفصل لمنع تداخل الملفات.
تكليف محمد علي عبد القادر يأتي في توقيت “الاشتباك مع السوق”. الحكومة تريد وجهاً جديداً لإدارة ملف “سعر الصرف وتوافر السلع” بعيداً




عن الجدل السياسي، ليكون القادر واجهةً تقنيةً للمواجهة مع التجار والمحتكرين.





تحويل الاهتمام إلى وزارة “الذكاء الاصطناعي” بقيادة زياد عبد الوارث الحجاجي، هي “الضربة التكتيكية” الأذكى؛ فهي محاولة لتقديم صورة
“الدولة العصرية” واستخدام البيانات كأداة للرقابة على الأصول وتحسين الأداء الإداري بعيداً عن البيروقراطية.
تكليف عصام جمعة التموني (الإسكان والتعمير) وحسن محمد عويدان (الموارد المائية)، يندرج تحت استراتيجية “إدارة الملفات التي





تمس حياة المواطن يومياً”، خاصة مع استحقاقات ملفات الإعمار الكبرى التي لا تحتمل التأجيل أو الشبهات.




تكليف رندة محمد غريب يعكس تحولاً من “التمكين الحقوقي التقليدي” إلى “الاستحقاق الانتخابي”؛ حيث تحتاج الحكومة لوجه جديد يربط الملف النسوي بالحراك المجتمعي القادم
تكليف هيثم يوسف الزحاف (الشباب) وفؤاد أحمد برغش (الرياضة) يأتي لامتصاص “الغضب الشعبي” في قطاع هو الأكبر عدداً والأكثر تأثيراً في الشارع.










تعيين سالم محمد العالم، هو محاولة لـ “تأنيس” المشهد السياسي بوجوه تملك رصيداً أدبياً وتاريخياً، في مقابل الضجيج السياسي المستمر.
تكليف جمال أبوبكر أبوقرين هو محاولة لتعزيز “الشرعية الأخلاقية” للحكومة دولياً ومحلياً من خلال معالجة ملف الجروح الغائرة للنازحين والمهجرين.









تكليف نصر الدين ميلاد محمد الفزاني يهدف لإدارة “أصول الدولة المعطلة” في قطاعٍ يمثل الرهان الأكبر لتنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط.
نائباً لرئيس الحكومة، يمثل “صمام أمان” جيوسياسي، يهدف لضمان استقرار الجنوب وتحييده عن أي صراع برلماني وضمان استمرار تدفق النفط كـ “شريان حياة” للموازنة العامة.
إن هذا الطاقم، بجمعه بين “تكنوقراط الأزمات” و”وجوه الرقمنة”، هو محاولة لفرض “أمر واقع إداري” يراهن فيه الدبيبة على أن الإنجاز الميداني هو وحده الكفيل بإبطال أي شرعية برلمانية معارضة.
إن انسحاب الوزراء السابقين وتعيين هذا الطاقم الواسع لا يترك مساحة للشك في أن الحكومة تدرك أن “البقاء” يتطلب “تجديداً جذرياً”، لكن السؤال الذي سيبقى معلقاً في رقبة كل وزير جديد: هل ستكونون “تكنوقراط إنجاز” أم “أدوات بقاء” في بورصةٍ سياسيةٍ لا ترحم؟
خلف أبواب حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، هناك رهانٌ عالي المخاطر: تمرير التشكيلة الوزارية الجديدة رغم “اللا” البرلمانية الصارمة.
بالنسبة للدبيبة، هذه ليست مجرد تعيينات، بل هي “إعادة تعريف” لمصدر السلطة في دولةٍ انقسمت مرجعياتها التشريعية.
مجلس النواب في طبرق سبق وأن سحب الثقة من حكومة الدبيبة، واعتبر ولايتها منتهية، بل وأفرز حكومة موازية في شرق البلاد برئاسة أسامة حماد.
هذا الانقسام خلق “فراغاً شرعياً” يحاول الدبيبة ملأه بمسارٍ موازٍ يعتمد على التوافقات لا على أصوات النواب.
مجلس النواب في طبرق سبق وأن سحب الثقة من حكومة الدبيبة، واعتبر ولايتها منتهية، بل وأفرز حكومة موازية في شرق البلاد برئاسة أسامة حماد.
هذا الانقسام خلق “فراغاً شرعياً” يحاول الدبيبة ملأه بمسارٍ موازٍ يعتمد على التوافقات لا على أصوات النواب.
تعتبر حكومة الوحدة الوطنية أن البرلمان بشكله الحالي – الغارق في انقساماته والمعطل لإعادة تشكيل لجانه – قد فقد “أهليته الرقابية”.
في نظر طرابلس، أصبحت الرقابة البرلمانية أداة سياسية للابتزاز وليست التزاماً دستورياً، مما يبرر التحول نحو “الشرعية التوافقية” مع المجلس الرئاسي والأعلى للدولة.
تستند الحكومة إلى تفسيرٍ سياسي للمادة (13) من الاتفاق السياسي. منطق الحكومة هنا: إذا كان البرلمان “متعثراً” أو “متعنتاً” في ممارسة صلاحياته، فإن السلطة تنتقل إلى الأطر التوافقية الثلاثية.
هي “ثغرة قانونية” ذكية، تحول موافقة المجلس الرئاسي والأعلى للدولة إلى ما يشبه “الغطاء التشريعي البديل” في الظروف الاستثنائية.
الحكومة تراهن على أن المجتمع الدولي والأطراف المحلية يتعاملون معها كـ “حكومة تصريف أعمال” ذات صبغة سيادية وأن تكلفة إسقاطها الآن – في ظل وجود حكومة أسامة حماد في الشرق – قد تكون باهظة ومزعزعة للاستقرار، مما يمنح الدبيبة “مظلة أمان” غير مباشرة لمواصلة العمل.
نحن أمام صراع وجودي على “مفاتيح الدولة”. الدبيبة يرى أن البرلمان “جسمٌ منتهٍ”، بينما يرى البرلمان أن الحكومة “كيانٌ مغتصب”.
وبينما يعزز الدبيبة طاقمه بوزراء جدد لفرض أمر واقع إداري تظل حكومة أسامة حماد في الشرق حجر الزاوية الذي يمنع هذا التعديل من التحول إلى “شرعية كاملة”، مما يجعل ليبيا عالقة في حالة “انقسام حكومي” مستدام لا تحسمه النصوص القانونية، بل توازنات القوى القلقة.


في دهاليز السياسة الليبية، يُقال إن “مَن يسكتُ عن سلب صلاحياته، يُسلب حق وجوده”.
إن حكومة أسامة حماد في الشرق، ومجلس النواب في بنغازي يدركون يقيناً أن رد فعلهم على التعديلات الوزارية في طرابلس ليس مجرد “اعتراض تقني”، بل هو “اختبارٌ للبقاء“.
إن البرلمان يعي أن قبول “الأمر الواقع” الذي يفرضه الدبيبة يعني عملياً شطب وجودهم من معادلة السلطة التنفيذية.
فإذا لم يتبنَ النواب “رد فعلٍ تشريعياً” – سواء عبر الطعن القضائي الشامل، أو سحب الاعتراف الدولي بالقرارات الأحادية أو حتى اتخاذ خطواتٍ تصعيدية في ملفات السيادة والمال – فإنهم سيتحولون في نظر الشارع إلى “شاهد زور” على انتزاع صلاحياتهم.
إن “الصمت” هنا يعني “الاندثار”.
بالنسبة لحكومة أسامة حماد، فإن أي تهاونٍ في مواجهة “شرعنة طرابلس الجديدة” يعني تآكل قاعدتها الجغرافية والقانونية.
هم مطالبون الآن بتحويل “المواقف الخطابية” إلى “إجراءات ملموسة”؛ فالحكومة الموازية تعيش على “شرعية التحدي”. إذا توقفت عن التحدي، فقدت مبرر وجودها.
نحن نتجه نحو “منجرفٍ خطير”؛ فاحتمالية الرد لا تقتصر على التصريحات، بل قد تتطور إلى “حربٍ إدارية” (تجميد حسابات، ملاحقات قضائية، أو حتى إغلاق ملفات النفط).
إن كلا الطرفين (طرابلس والشرق) يضعان الآن “خسارة ما بعد السلطة” في ميزان الحسابات؛ لذا فإن كل طرفٍ سيحاول رفع سقف الرد ليضمن عدم محاكمته غداً، وهو ما يفسر لماذا أصبح “التصعيد” هو لغة الحوار الوحيدة.
إننا أمام “لعبة صفرية”؛ فلا يمكن للبرلمان أن يظل “سلطةً تشريعية” وفي الوقت ذاته يتفرج على الحكومة وهي تعين وتُقيل بقراراتٍ فردية.
إن لم يرد البرلمان، فإنه ليس فقط سيُعتبر “منتهياً”، بل سيخلق فراغاً سيقوم آخرون بملئه.
لذا، فإن الترقب لما بعد 30 مارس ليس مجرد مراقبة لموعد جلسة، بل هو مراقبة لـ “لحظة الانفجار السياسي” القادم، حيث لن يجد أي طرفٍ مكاناً يتراجع إليه.


إذا كانت القاعات المغلقة في طرابلس قد أنتجت “توافقاً مؤسسياً” فإن الفضاء الرقمي قد أنتج “عدميةً سياسية”.
إن الـ 47 ألف مشاهدة وما صاحبها من 292 تعليقاً على البث الرسمي لم تكن مجرد تفاعلٍ عابر، بل كانت محاكمةً رقمية شاملة لشرعية الحكومة.
يبرز في التعليقات (نماذج: محمد زيان، محمود عون، عمر بحرون) نمطٌ من السخرية المرة الممزوجة بالعدمية.
هذا القطاع يركز على “الاقتصاد المنهار” (الدولار 11 ديناراً) و”الفساد الممنهج” (شركة أركنو، نهب النفط).
هم لا ينتقدون أداء الوزارة بقدر ما ينقدون “شرعية الوجود”، مستخدمين مفردات “الخيانة” و”السرقة”.
تعليقات (نماذج: نجية المغربي، فاطمة سليمان، نارجيـس عزيز) اتسمت بنبرة أكثر مباشرة وتركيزاً على “الخدمات والقوت اليومي”.
بينما غادرن المشهد (بمثال الطرمال)، يبدو أن القاعدة النسوية في التعليقات تشعر بـ “انفصام” بين الشعارات الوطنية وبين معاناة الأسرة الليبية في توفير “الكتاب المدرسي” أو مواجهة “الغلاء”.
هم لا ينتقدون أداء الوزارة بقدر ما ينقدون “شرعية الوجود” مستخدمين مفردات “الخيانة” و”السرقة”.
يرى في التغيير مجرد “إعادة تدوير للقمامة”. هؤلاء يرفضون أي خطاب رسمي ويدعون لـ “الرحيل الجماعي”.
يركز على “غياب الصوت” و”تجاهل الإجراءات الدستورية”، معتبرين أن البث بلا صوت هو استعارة مثالية لـ “حكومة لا تسمع مواطنيها”.
يستحضر الفضاء الديني (الدعاء، الحسبنة) كأداة للمقاومة السلمية، مما يعكس فشل الأدوات السياسية التقليدية في إيصال صوتهم.
إن الفجوة بين “لغة المؤسسات” التي تتحدث عن “الذكاء الاصطناعي” و”الرقمنة”، وبين “واقع الشارع” الذي يصرخ بحثاً عن “الدقيق والدولار”، قد بلغت نقطة اللاعودة.
إن هذه التعليقات ليست مجرد صرخاتٍ غاضبة، بل هي إعلانٌ عن ‘إفلاس سياسي‘؛ حيث لم تعد الحكومة تملك القدرة على إقناع المواطن حتى بـ “جدوى” وجودها.
الحكومة تبيع “وهم الاستقرار”، بينما يشتري المواطن “حقيقة الانهيار”.
هذه التعليقات هي “البيانات الحقيقية” التي لا تستطيع الحكومة “تعديلها” في أي تشكيلة وزارية قادمة، لأنها تمثل “عقد التواصل” الذي تمزق تماماً بين الحاكم والمحكوم.


بينما يتبادل أقطاب السلطة في طرابلس (المنفي، تكالة، الدبيبة) ملفات التكليف الوزاري، يدور في عقل المواطن الليبي “شريطٌ من التساؤلات” التي لا تجد لها صدىً في القاعات المغلقة.
إنها ليست مجرد استفسارات، بل هي “هواجس وجودية” حول طبيعة الدولة التي يعيش فيها:
يتساءل المواطن:
هل ما قام به هؤلاء الثلاثة هو ممارسةٌ لصلاحياتهم، أم هو “ترسيخٌ لثقافة تجاوز التشريعات”؟ إن جوهر التساؤل هنا هو:
هل باتت التوافقات الشخصية تجُبّ النصوص القانونية؟ وهل نحن بصدد نظامٍ يعيد إنتاج “سلطة الفرد” ولكن هذه المرة بـ “غطاءٍ مؤسسي”؟
في دهن الليبي اليوم مقارنةٌ مؤلمة؛ لماذا ثار الشعب على القذافي؟ ألم يكن بحثاً عن تداول السلطة وسيادة القانون؟ حين يرى المواطن أن “التكليفات الوزارية” تتم بقراراتٍ أحادية، يطرح تساؤلاً جوهرياً: أين شرعية البرلمان؟ وكيف لرئيس وزراء أن يمنح حقائب وزارية بـ “قرار” بينما كان جوهر تكليفه الأساسي هو “إنجاز الاستحقاق الانتخابي” في غضون 18 شهراً؟
يدرك المواطن بذكاءٍ فطري أن شعار “لن أسلم إلا لحكومة شرعية منتخبة” أصبح هو “الشماعة” التي يُعلق عليها الدبيبة بقاءه.
لكن السؤال الذي يتردد في الشارع: هل نجح الدبيبة في الانتخابات؟ أم أن الحكومة التي كانت “مؤقتةً بامتياز” قد تحولت إلى “مؤسسةٍ دائمة” بفضل تعطل الانتخابات؟
في ظل المظاهرات الشعبية التي طالبت برحيل هذه الأجسام لسنوات، يبرز السؤال الأكثر مرارة: هل يستمع المنفي وتكالة والدبيبة لصوت الشارع؟ أم أنهم في “عزلةٍ رقمية” لا تصلها إلا تقارير “المستشارين”؟
إن هذه التساؤلات ليست مجرد “شكوى”، بل هي “طعنٌ شعبيٌ” في شرعية الإجراءات.
المواطن اليوم يدرك أن الطعن في شرعية تكليف الوزراء ليس مجرد مسألة قانونية ترفع أمام القضاء الإداري، بل هو طعنٌ في “العقد الاجتماعي” ذاته.
إن ترسيخ ثقافة “تجاوز التشريعات” يعني ببساطة أن الدولة لا تُبنى على “الدستور”، بل على “موازين القوى”.
وفي بورصة الأقدار الليبية، يبدو أن المواطن قد فقد الثقة في أن تخرج “الشرعية” من قبعة الدبيبة أو عباءة المنفي، وأصبح ينتظر “الصافرة” التي تنهي هذا التمديد الاستثنائي عبر صناديق الاقتراع لا عبر قرارات التكليف.
عند قراءة ديباجة قرارات التكليف الجديدة، نجدها تستند حرفياً إلى: “قرارات مجلس النواب في جلسة 10 مارس 2021 بمنح الثقة لحكومة الوحدة الوطنية“
هنا يقع المواطن أمام “مفارقة عبثية”: كيف تستمد الحكومة شرعيتها من “ثقة البرلمان” في قرار التكليف، بينما تضرب بعرض الحائط “سحب الثقة” الذي أصدره ذات البرلمان لاحقاً؟
إن الدبيبة يمارس “انتقائية قانونية”؛ فهو يتمسك بقرار منح الثقة (2021) كغطاءٍ لتعيين الوزراء، لكنه يتجاهل قرارات سحب الثقة اللاحقة.
يتساءل الليبيون: هل هذه “ترسيخٌ لثقافة تجاوز التشريعات”؟ وهل باتت الحكومة تقتبس من القانون ما يخدم بقاءها وتتجاهل ما يعطلها؟
قانونياً، هل يمكن للبرلمان الطعن في هذه التكليفات؟
الإجابة المختصرة: نعم.
إن أي “تكليف وزاري” بقرارٍ من رئيس الوزراء – ىدون المرور عبر قبة البرلمان لنيل الثقة – يعتبر قانونياً “تجاوزاً للاختصاص” ومخالفةً جسيمة للإعلان الدستوري والاتفاق السياسي.
إن “الطعن أمام القضاء الإداري” هو المسار الذي يمتلكه البرلمان، ولكن المعضلة تكمن في “نفاذ الأحكام”؛ فهل ستلتزم الحكومة بأحكام القضاء أم ستعتبرها “تسييساً” لقراراتها؟
إن كل مسؤول يوقع على قرار تكليفٍ دون غطاءٍ تشريعيٍ نافذ يعرض نفسه للمساءلة القانونية.
فالتاريخ السياسي لليبيا يُعلمنا أن “قرارات الضرورة” التي لا تستند إلى قانونٍ محصن، غالباً ما تتحول إلى “ملفات قضائية” تلاحق أصحابها عند أول تغيرٍ في موازين القوى.
يستذكر المواطن الليبي أن ثورته قامت لإنهاء “سلطة الفرد” والقرار الواحد.
واليوم، حين يرى الحكومة تُكلف نواباً ووزراء بقرارٍ فردي – في وقتٍ كانت مهمتها الأساسية هي “تيسير” إجراء الانتخابات خلال 18 شهراً – يدرك أن “شماعة الحكومة المنتخبة” ليست سوى “تأبيدٍ للبقاء”.
إن التساؤل المُرّ الذي يتردد في الشارع: أين شرعية البرلمان إذا كانت الحكومة تملك حق “تعيين وزرائها” بقرارٍ داخلي، وتملك حق تجاهل “سحب الثقة”؟
إن ما يفعله الدبيبة اليوم ليس مجرد “إدارة أزمة”، بل هو “إعادة صياغة للنظام السياسي” من خلف الأبواب.
إن المواطن الليبي الذي يراقب هذه المتناقضات، يدرك جيداً أن التكليفات الجديدة ستظل “معلقة في الهواء”؛ قانونياً هي قابلة للطعن، وواقعياً هي “تحدٍ مكشوف” للبرلمان، وأخلاقياً هي “استخفافٌ بالتفويض الانتخابي” الذي منحه الشعب لهؤلاء المسؤولين.
في “بورصة الأقدار الليبية”، لا تُقاس شرعية التعديلات الوزارية بـ “بيانات الاتفاق”، بل بـ “قلق الشارع”.
لقد فتحنا صندوق بريدنا لنستقبل تساؤلات المواطنين التي تعكس تشظي الجغرافيا وتوحد المعاناة.
إليكم مقتطفات من “النبض الميداني”:
“بعد تكليف ‘سالم الزادمة’، هل سيتحول الجنوب من ‘خزان نفطي’ إلى ‘شريك في القرار’، أم هي مجرد ترضية سياسية؟”
تعكس هند حالة “التململ الجغرافي”. التكليف هو محاولة لاحتواء “نفوذ الجنوب”، لكن من منظورنا ، تظل هذه التعيينات “أصولاً مؤقتة”؛ فإذا لم يلمس المواطن في فزان أثراً ملموساً في التنمية ستتحول هذه الحقيبة من “صمام أمان” إلى “عنوان إضافي للفشل التكنوقراطي”.
“حكومة أسامة حماد قائمة شرعاً في الشرق، والدبيبة يغير وزراءه في طرابلس.. أليس هذا ترسيخاً لانقسامٍ أبدي؟”
يضع مروان يده على “الجرح الدستوري”. إن التعديلات الأخيرة هي اعترافٌ ضمني بأن ليبيا لم تعد “دولة واحدة” في إدارة مواردها، بل “سوقين منفصلين” يتنازعان على الأصول السيادية.
هذا التكليف يعمق “القطيعة القانونية”، إذ لا تعترف الحكومة بـ “حماد”، ولا يعترف البرلمان بـ “الدبيبة”.
“نحن نعاني من أزمات الوقود والسيولة.. لماذا تُنفق الميزانيات على ‘الذكاء الاصطناعي’ و’الاقتصاد الرقمي’ بينما نعيش في العصر الحجري للخدمات؟“
هذا هو “صراع التوقعات”. الحكومة تراهن على “الرقمنة” كواجهةٍ للشرعية أمام المجتمع الدولي، بينما يراها المواطن في العجيلات وزوارة “تجميلاً رقمياً” لواقعٍ متداعٍ.
إنها فجوةٌ اتصالية تظهر أن الحكومة تخاطب “العواصم الدولية” لا “مدن الداخل
“هل جلسة 30 مارس في بنغازي قادرة على ‘سحب الثقة’ من هؤلاء الوزراء الجدد فور تكليفهم؟”
هذا هو السؤال “الاستراتيجي” الأكثر خطورة. إذا نجحت جلسة 30 مارس، فإنها ستخلق “حالة قانونية مضادة”؛ حيث سيكون لدى ليبيا “وزراء بحكومة” و”وزراء بقراراتٍ معطلة”.
إنها تضعنا أمام سيناريو “الشرعية المزدوجة” الذي قد يؤدي إلى شللٍ تام في مؤسسات الدولة.
هذه الأسئلة ليست مجرد استفسارات، بل هي “تقييم أداء” شعبي المواطن من الجنوب للشرق للغرب يرى في التغييرات الوزارية “مشروعاً خاصاً” لا علاقة له بـ “بورصة المعيشة”.
إن “الذكاء الاصطناعي” لن يحل أزمة السيولة، و”التعديلات الجغرافية” لن توحد البلاد ما لم تكن هناك إرادةٌ تتجاوز “المحاصصة الوزارية” إلى “الاستقرار التنموي”.
إن التداعيات السياسية لقرارات التكليف الأخيرة لا تتوقف عند حدود “أروقة السلطة”، بل تمتد لتغرس في وجدان الشباب والأطفال الليبيين ثقافةً مدمرة.
حين يرى الجيل الصاعد أن المسؤول التنفيذي يمكنه “إلغاء التشريعات” بقرارٍ إداري، وأن “سحب الثقة” البرلماني لا قيمة له أمام “إرادة التشبث بالكرسي”، فإننا هنا لا ندير أزمةً سياسية، بل ننسف مفهوم “دولة القانون” في وعي المواطن القادم.
إن ما يقدم عليه المسؤول الليبي اليوم من تجاوزٍ للتشريعات يرسخ في عقول شبابنا ثقافة “الغاية تبرر الوسيلة”.
عندما يقتدي الابن بوالده المسؤول، أو الطالب بوزيره، في رؤية “الالتفاف على القانون” كمهارةٍ سياسية، فإننا نؤصل لبيئةٍ لا تحترم إلا “ميزان القوة” لا “ميزان الحق”.
أي جيلٍ سنبني حين تكون القدوة في أعلى هرم السلطة هي التي تضرب عرض الحائط بالقرارات التشريعية والرقابية؟
تبرز هنا إشكالية قانونية وأخلاقية صارخة؛ فإذا كان الوزير الذي منحته السلطة الشرعية سابقاً قد مُنع من دخول وزارته، فكيف يُنظر للمكلف الجديد (سالم العالم)؟ إن هذه الحالة تكشف عن “هشاشة الدولة”؛ فحكومة تسيير الأعمال، المسحوب منها الثقة قانونياً، تواصل “التعيين والإقالة” وكأنها حكومة كاملة الصلاحيات.
إن منع وزيرٍ من دخول وزارته، ثم استبداله بقرارٍ أحادي، يرسخ في الأذهان أن “السلطة لا تدار بالدستور، بل بمن يملك مفاتيح البوابة”.
إن هذا السلوك يرسخ لدى الشباب الليبي “اغتراباً قانونياً”؛ حيث يشعر المواطن أن القوانين واللوائح ليست سوى “حبر على ورق” يُستخدم لضبط الصغار، بينما يُعفى الكبار من الالتزام بها.
هذا التناقض بين “الدرس النظري” في التربية الوطنية عن احترام القوانين، وبين “الواقع العملي” الذي يمارسه المسؤولون، يخلق فجوةً نفسيةً تدفع الشباب نحو العدمية أو الهروب من فضاء الدولة تماماً.
إن الأخطر من سحب الثقة أو التعيينات، هو هذا “التآكل الممنهج” في احترام القوانين.
إن المسؤول الذي يرسخ اليوم ثقافة “تجاوز التشريعات”، إنما يكتب “شهادة وفاة” لثقة الأجيال القادمة في أي عمليةٍ سياسيةٍ مستقبلية.
إن ليبيا لا تحتاج إلى وزراء جدد بقدر ما تحتاج إلى “نموذجٍ قيمي” يحترم المؤسسة؛ فالدولة التي لا تُحترم فيها قرارات السلطة التشريعية، هي دولةٌ تزرع في طريق مستقبلها ألغاماً لن تنفجر إلا في وجه أطفالنا وشبابنا الذين سينشأون على “شريعة الغاب” بدلاً من “شريعة القانون“.
إن أخطر ما يواجه ليبيا اليوم ليس التنازع على الحقائب الوزارية بل “تحول السلطة إلى درعٍ واقٍ من المحاسبة”.
لقد ترسخت في العقلية السياسية الليبية ثقافةٌ خطيرة مفادها: “المسؤول لا يُحاسب، بل يُقايض“.
أصبح التسليم والاستلام مرهوناً بضماناتٍ لعدم الملاحقة، وهو ما يفسر التشبث بالكرسي؛ فالمغادرة تعني “خسارة الحصانة” والمواجهة المباشرة مع استحقاقات القانون.
إن رئيس الحكومة الذي يسير في مسار “تجاوز التشريعات” يجد نفسه أسيراً لمنطقه الخاص؛ فهو يعلم يقيناً أن أي لحظةٍ خارج السلطة ستجعل من “تجاوزاته القانونية” ملفاتٍ جنائية مفتوحة.
ومن هنا، تصبح “شماعة الحكومة المنتخبة” هي وسيلة الدفاع الوحيدة للبقاء بعيداً عن “خلف القضبان”.
هذه الثقافة – حيث يشترط المسؤول عدم محاسبته مقابل تسليم السلطة لمن بعده – هي “الخطيئة الأصلية“ التي تمنع تداول السلطة السلمي.
إنها تحول الدولة من “مؤسسةٍ عامة” إلى “شركةٍ خاصة” تتبادل فيها الأطراف صفقات الإفلات من العقاب، مما يجعل ليبيا تسير بخطىً ثابتة نحو “منجرفٍ خطير” لا تُحمد عقباه.
إن المواطن الليبي اليوم لم يعد يطالب بـ “التغيير” فقط، بل يطالب بـ “العدالة”.
إن ترسيخ ثقافة أن “الكرسي يحمي من المحاسبة” هو إعلانٌ صريحٌ بفشل الدولة.
فالمسؤول الذي يخشى المحاسبة لا يمكنه أن يبني مؤسسات، لأن مصلحته هي في “استمرار الفوضى” التي تحميه، لا في “استقرار القانون” الذي قد يلاحقه.
إن المشهد الليبي اليوم يتجاوز في تعقيده مجرد “تعديل وزاري” أو “مناورة برلمانية”؛ إنه صراعٌ وجوديٌ على “مفاتيح الدولة”.
فبينما تتمسك الحكومة بـ “الاتفاق السياسي” كدرعٍ قانونيٍ يمنحها شرعية الأمر الواقع، يلوح البرلمان – بجبهته المتمردة في بنغازي – بـ “سحب الثقة” كأداةٍ لإنهاء هذا المسار.
الحكومة تعد بمرحلة جديدة من “العمل المؤسسي” و”التحول الرقمي”، لكن الحقيقة الصلبة التي تفرض نفسها هي أن “الأصول الوطنية” تحتاج إلى ما هو أبعد من إعادة توزيع الحقائب.
إن الأزمة الليبية ليست في “شخوص الوزراء”، بل في “هيكل السلطة” الذي بات يفتقر إلى الإجماع الوطني.
إن “شرعية الإنجاز” التي يراهن عليها الدبيبة في مواجهة “الشرعية التشريعية” التي يتمسك بها معارضوه في بنغازي، تضع البلاد أمام مفترق طرق: فإما أن تُترجم هذه التعديلات إلى “أرقامٍ إيجابية” في معيشة المواطن (سعر الصرف، توافر الخدمات)، وإما أن تتحول إلى وقودٍ إضافي لانقسامٍ مؤسسيٍ جديد.
فهل تنجح “التشكيلة الجديدة” في العبور نحو مرحلة من الاستقرار الإداري، أم أن “الشرعية الشعبية” المستمدة من أروقة السخط الرقمي ستنهي هذه الرحلة قبل أوانها؟
الأيام القادمة لن تكون مجرد أيامٍ تقويمية، بل هي أيامٌ فاصلة في تحديد مَن يملك “التفويض الحقيقي” لإدارة البلاد، في وقتٍ بات فيه كل مقعدٍ وزاريٍ يمثل “سهماً” في مستقبل ليبيا السياسي.




