



للمرة الأولى منذ تأسيسه عام 1980، تكسر الدبلوماسية آن كلير لوجاندر (Anne-Claire Legendre) القاعدة لتصبح أول امرأة تترأس “معهد العالم العربي” (IMA).
هذا التغيير ليس مجرد تبديل أسماء، بل هو “عملية تعقيم سياسي“ وإعادة هيكلة شاملة لمؤسسة كانت تعيش تحت وطأة فضائح مالية وأزمات “تضخم إداري” في عهد جاك لانغ.
وقع الاختيار على لوجاندر بعد نزال مع 3 مرشحين (أبرزهم كريم أملال وإيفلين شيفالييه)، بفضل “أصولها السياسية” القوية:
. 0 منافس:
فوز بالإجماع من مجلس الإدارة المكون من 14 عضواً (نصفهم فرنسيون ونصفهم ممثلون عن الدول العربية).
. اللغة كسيولة:
تتقن العربية بطلاقة (خريجة Inalco)، مما يجعلها “واجهة دبلوماسية” قادرة على التحدث المباشر مع المانحين العرب دون وسيط.
. الخبرة القنصلية:
قنصل سابقة في نيويورك وسفيرة في الكويت، مما يمنحها قدرة على إدارة “المشاريع الممولة” بحزم قنصلي لا يلين.
التغيير جاء كـ “خطة إنقاذ اضطرارية“ لعدة أسباب:
1 . إرث “إبستين“:
استقالة جاك لانغ (86 عاماً) جاءت بضغط من الإليزيه بعد تحقيقات في “غسيل أموال وتهرب ضريبي” مرتبطة بقضية جيفري إبستين.
2 . تمكين المرأة:
باريس تبعث برسالة للعالم العربي مفادها أن “المستقبل أنثوي”، وتربط الدبلوماسية الثقافية بتمكين الكفاءات الشابة (آن كلير تبلغ 46 عاماً فقط).
3 . إعادة الضبط المالي:
المعهد يعتمد على ميزانية سنوية (حوالي 12.3 مليون يورو)، والدولة تريد “شفافية مطلقة” في إدارة مشاريع التمويل المستقبلية، خاصة متحف المعهد المقرر افتتاحه في 2027.
المعهد ليس مجرد “مبنى بفتحات عدسات كاميرا” على ضفاف السين، بل هو “الأصل الثقافي“ الأبرز لفرنسا في الشرق:
مختبر للأفكار، متحف، ومدرسة لغات؛ هدفه تعميق فهم الحضارة العربية بعيداً عن الصور النمطية.
لوجاندر ستنتقل بالمعهد من “الواجهة الكلاسيكية” إلى “المنصة الرقمية والميدانية”؛ حيث تسعى لمد إشعاع المعهد إلى خارج باريس وفتح قنوات تمويل مستدامة تعتمد على الشراكات لا المنح فقط.
التغيير الآن هو بمثابة “إعادة تعويم“ للمعهد بعد سنوات من “التضخم البيروقراطي” والظلال التي خلفتها التحقيقات المالية.
تعيين لوجاندر يمثل “نقطة تحول تكتيكية“ لثلاثة أسباب رئيسية:
لوجاندر ليست مجرد أكاديمية، بل هي “مهندسة اعتراف فرنسا بدولة فلسطين” (سبتمبر 2025).
هذا الاختيار يمنح المعهد “سيولة دبلوماسية” فورية مع العواصم العربية التي كانت تنظر بريبة للإدارة السابقة.
المعهد سينتقل من “نموذج المنح التقليدي” إلى “نموذج الشراكة الاستثمارية”.
لوجاندر ستقوم بتفعيل “قنوات تمويل شفافة” مرتبطة بمشاريع ميدانية، مما يقلل من “العجز التشغيلي” للمؤسسة.
التوجه الحالي يهدف لنقل المعهد من كونه “متحفاً باريسياً” إلى أن يصبح “منصة إشعاع عابرة للحدود”، تخاطب جيل الشباب العربي بلغتهم (وهو ما يفسر إتقان الرئيسة الجديدة للعربية بطلاقة).
أهم مشروع حالي للمعهد، والذي ستشرف لوجاندر على تدشينه في أربعينية المعهد (2027)، هو تحويل جزء كبير من المبنى إلى “المتحف الأول من نوعه في الغرب“ المخصص للفن العربي المعاصر بالكامل.
يضم المتحف 2500 عمل فني حديث ومعاصر، تشكل “المخزون الاستراتيجي” الأكبر في أوروبا.
المشروع يهدف لمضاعفة عدد الورش التعليمية وتدريب 3000 متخصص سنوياً، مما يجعله “مركز عمليات” لنشر الثقافة العربية في قلب القارة العجوز.
أما المشروع الذي سيدهش القارئ العربي، فهو معرض “جيبوس، المدينة الخالدة“ (الذي ينطلق في مارس 2026).
يسلط الضوء على أول ميناء بحري دولي في التاريخ (منذ 9000 عام) في العالم العربي، ليربط بين الجذور التاريخية والتقنيات المعاصرة.
باريس تريد أن تقول للعالم العربي عبر هذا المشروع: “نحن نحمي أصولكم التاريخية ونبرزها كأصول عالمية”.
هل سيتوسع المعهد لفتح فروع حقيقية في المدن العربية بدلاً من الاكتفاء بباريس؟”
نعم، هذا هو “مشروع لوجاندر” السري. التوجه الجديد هو “IMA Beyond Walls” (المعهد خارج الأسوار)؛ حيث تهدف الرئيسة الجديدة لفتح “محطات ثقافية” ذكية في القاهرة الرياض، والجزائر، لتكون بمثابة “مراكز مقاصة ثقافية” تعيد تداول الفكر العربي الفرنسي في مكانه الأصلي.
نحن أمام مشهدين يلخصان “بورصة السيادة” في 2026؛ فبينما تعيش كوبا حالة من “التصفية القسرية“ تحت ضغط “الأمر التنفيذي 14380″، تحاول فرنسا “تعويم أصولها الثقافية“ عبر ضخ دماء جديدة في معهد العالم العربي.
الحقيقة المدهشة هي أن “السيولة” لم تعد مجرد نفط أو يورو بل هي “ثقة ائتمانية“.
فرنسا بذكاء “آن كلير لوجاندر” تحاول أن تظل “الرئة” التي يتنفس منها العالم العربي في أوروبا، بينما كوبا تنتظر “صدمة كهربائية” سياسية تعيدها للحياة.
في كلا الملفين، يبقى السؤال الأهم للمستثمرين في السياسة: هل يكفي “الصمود” أو “التمكين” لمواجهة قوانين البورصة العالمية التي لا ترحم؟

