“ممر اليقين”.. حين عانقت “تينيناي” جثمان المغدور

🔴 زلزال الزنتان: [اليوم الثالث] من جريمة اغتيال سيف الإسلام القذافي

من صمت الرمال إلى صخب التاريخ: هنا تُوثق الملحمة.. حيث يصبح الدم ميثاقاً للسيادة

"ممر اليقين".. حين عانقت "تينيناي" جثمان المغدور

في صبيحة يوم الخميس، الخامس من فبراير 2026، لم تكن الطريق الممتدة نحو منطقة “تينيناي” ببلدية بني وليد مجرد مسارٍ للسيارات، بل كانت جسراً جنائزياً يربط بين تاريخين.

شق الموكب الذي يحمل جثمان سيف الإسلام القذافي طريقه وسط زحامٍ مهيب من أبناء ووجهاء العشائر، في مشهدٍ وثقته عدسات الكاميرات كحدثٍ مفصلي في تغريبة آل القذافي؛ حيث اختلط وجوم الوجوه بهتافاتٍ مكتومة لم تهدأ منذ انطلاق الموكب من “الزنتان“.

بني وليد، التي استنفرت أجهزتها الأمنية والخدمية، لم تتعامل مع الحدث كإجراءٍ إداري؛ فالمجلس البلدي، في بيانٍ صاغه بمداد المسؤولية، أعلن إشرافه الكامل على مراسم الدفن، مستنداً إلى “مواثيق الدم” والروابط التاريخية التي تجمع قبيلة “ورفلة” بقبيلة “القذاذفة”.

كانت الكلمات في البيان تلملم شتات الوطن، داعيةً لوحدة الصف وسؤال الله أن يحفظ البلاد من فتنةٍ تطل برأسها تحت رماد الاغتيال.

مرجل الشك وحصار “المغسّل لكن، ومع وصول الجثمان إلى مشارف مستشفى بني وليد العام، انكسر جدار الصمت ليحل محله “الشك”.

لم تصدق الجماهير المحتشدة أن الجسد المسجى خلف الأبواب هو ذاته “سيف الإسلام”؛ فبالنسبة للكثيرين، كان الرجل أسطورةً عصية على الرصاص، مما حول محيط المستشفى إلى مرجلٍ يغلي بالتساؤلات والاستياء الشعبي إثر منعهم من رؤيته لتأكيد الوفاة.

بلغ التوتر ذروته حين حاصرت الحشود “مغسّل الجثامين” في لحظةٍ درامية تحبس الأنفاس.

انهالت عليه الأسئلة كالسياط، تطلب منه حقيقةً يخشون سماعها.

وتحت وطأة التدافع والإصرار، اضطر الرجل لقطع الشك باليقين؛ رفع صوته بقسَمٍ غليظ هزّ أركان المكان، حلف فيه بالله ثلاثاً أن الجثمان الذي طهرته يداه هو جثمان سيف الإسلام القذافي، واصفاً بمرارة تلك الطلقات التي اخترقت جسده الصائم.

شهادة المشايخ.. الفجر الذي طرد الريبة رغم قسَم المغسل، بقيت الحشود مرابطة حتى ساعات متأخرة من الليل، ترفض التسليم بالواقع دون دليلٍ من “كبار القوم”.

وفي مشهدٍ تراجيدي، سُمح لوفدٍ من مشايخ وأعيان ورفلة والقذاذفة بالدخول إلى قدس أقداس المستشفى.

وبعد انتظارٍ مرّ كأنه سنوات، خرج المشايخ في تسجيلٍ مرئي، بوجوهٍ يعلوها الوقار المنكسر، ليؤكدوا للعالم: “يا إخوتنا، هو سيف.. استودعوه الله

عندها فقط، تحول صخب التشكيك إلى نحيبٍ جماعي زلزل ليل المدينة، وارتفعت الرايات الخضراء لتعانق السماء، وانطلقت هتافات أهالي بني وليد التي استنهضت الجغرافيا:

نوضي يا سرت المحتلة.. ديري ما دارت ورفلة

العودة إلى جوار “خميس هكذا، استسلمت بني وليد لحقيقة أن “الساس” قد انهد فعلاً. وتقرر أن يُوارى جثمان سيف الإسلام الثرى غداً الجمعة، ليرقد بجوار جده وشقيقه “خميس”؛ تلك المفارقة القدرية التي جعلت سيف، الذي دفن شقيقه الأصغر بيده عام 2011، يعود اليوم ليجاوره في رحلته الأخيرة.

وبينما كانت النيابة العامة في طرابلس تبحث عن “أشباح” الاغتيال، كان أنصار النظام الجماهيري يجددون عهدهم بـ “ميثاق الدم”، معتبرين أن رحيل الرمز ليس نهاية للمشروع، بل هو وقودٌ جديد لمسار كفاحٍ لا ينتهي.

“عناق الأشقاء”.. تينيناي تستقبل موكب الرحيل

صرخة في ليل “بني وليد”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *