تحت سماء الرباط الصافية وفي افتتاحية المجموعة الرابعة، رسم القدر لوحة فنية ساحرة على عشب الملعب؛ حيث دخل لاعبو منتخب الكونغو الديمقراطية يرتدون الزي السماوي الكامل، لوناً عكس ثقة الفهود وهدوءهم في امتلاك ناصية الملعب.
وفي المقابل، اصطف لاعبو منتخب بنين بزيهم الأصفر الفاقع الكامل، وكأنهم أشعة شمس تبحث عن ثغرة في جدار الخصم.
المشهد الأشد وقعاً لم يكن داخل بساط الملعب فحسب، بل في تلك البقعة خلف مرمى حارس الكونغو “مباسي نزاو”، حيث احتشد جمهور بنين الوفي بزيّهم الأصفر الموحد، ليشكلوا حائطاً بشرياً لا يتوقف عن الحركة.
ومع كل هجمة للكونغو، كان🥁 قرع طبولهم يتصاعد ليصم الآذان، محاولين بث الرعب في قلوب المهاجمين السماويين، في مشهد جسد المعنى الحقيقي للشغف الأفريقي الذي لا يعرف الهدوء.
انطلقت الصافرة وبدأ الحوار الكروي، والكونغو تحاول فرض هيمنتها عبر تمريرات قصيرة دقيقة وصلت نسبتها إلى 87%، بينما كانت بنين تتربص في مناطقها الدفاعية، معتمدة على قوة الالتحامات البدنية التي رجحت كفتهم في الثنائيات الأرضية، بانتظار لحظة الغفلة من الدفاع السماوي.
ميزان القوى.. "رقعة الشطرنج وتوزيع المهام"
دخل “الفهود” بالزي السماوي وهم يحملون نية الهجوم الواضح، حيث رسم المدرب “ديسابر” خطة تمنح الحرية للأطراف؛ فكان آرون وان بيساكا في الرواق الأيمن كأنه محرك نفاث لا يهدأ، يقابله في اليسار أرثر ماسواكو الذي لم يكتفِ بأدواره الدفاعية بل كان صانع ألعاب من الخلف.
وفي قلب الحصن، وقف القائد شانسيل مبيمبا وإلى جواره أكسيل توانزيبي كصخرتي دفاع تحطمت عليهما محاولات بنين الأولى. وفي منطقة العمليات، كان صمويل موتوسامي وإيدو كايمبي يقومان بدور “المصفاة” لتوزيع الكرات لكل من بونغوندا ومبوكو، خلف المهاجم الصريح سيدريك باكامبو.
أما في المعسكر الأصفر، فقد اختار مدرب بنين أسلوب “الكتلة الواحدة” لامتصاص الاندفاع السماوي؛ حيث وقف الحارس ساتورنين ألاغبا خلف رباعي دفاعي يقوده فيردون وروش، اللذين حاولا خنق المساحات أمام باكامبو.
وفي الوسط، كان الاعتماد كلياً على سيسي دي ألميدا وإيموران لإفساد هجمات الكونغو وبناء المرتدات السريعة التي كانت تبحث عن ألوكو وتوسين أييغون في الأمام.
لقد كان تشكيلاً يوحي بحرب استنزاف؛ الكونغو تملك الكرة بنسبة تمريرات دقيقة ومبهرة، وبنين تملك الصمود والروح القتالية، مدعومة بصيحات جمهورها الأصفر الذي لم يهدأ لحظة واحدة خلف المرمى وكأن كل لاعب في بنين يستمد طاقته من تلك المدرجات المشتعلة.
أحداث الشوط الأول.. "زئير السماوي وصمود المدرجات الصفراء"
انطلقت صافرة البداية لتعلن فرض “الفهود” بالزي السماوي سيطرة مطلقة على العشب، حيث بلغت نسبة استحواذهم 68%، وسط محاولات من منتخب بنين لامتصاص الحماس بالزي الأصفر الكامل.
المشهد الأبرز كان خلف مرمى حارس بنين “ساتورنين”، حيث تكدس جمهور بنين باللون الأصفر، مشكلين ضغطاً بصرياً وصوتاً مدوياً بقرع الطبول، وكأنهم يحاولون حماية شباكهم بأجسادهم وهتافاتهم.
لكن في الدقيقة 16، انكسر حاجز الصمود؛ إذ انطلق أرثر ماسواكو من الجبهة اليسرى وأرسل تمريرة عرضية زاحفة، وصلت إلى ثيو بونجوندا المتمركز في قلب منطقة الجزاء، ليطلق تسديدة دقيقة بقدمه اليسرى سكنت الزاوية اليمنى السفلى للمرمى، معلناً الهدف الأول للكونغو (قيمته التهديفية المتوقعة بلغت 0.45
ومع هذا الهدف، اشتعلت المدرجات السماوية، بينما استمر الجمهور الأصفر في مؤازرة فريقه خلف المرمى لرفع الروح المعنوية.
الشوط لم يخلُ من الحدة البدنية والدراما؛ حيث حصلت الكونغو على ركلة جزاء كانت كفيلة بمضاعفة الجراح، إلا أن القدر (وضغط الجمهور الأصفر خلف المرمى) حال دون تسجيلها، لتظل النتيجة معلقة.
الحكم لم يتوانَ عن إشهار البطاقات الملونة لضبط الإيقاع، فنال صمويل موتوسامي إنذاراً في الدقيقة 20، وتبعه إيدو كايمبي في الدقيقة 36.
وقبل نهاية الشوط بثوانٍ (د45+2)، كادت بنين أن تعادل الكفة حين سدد توسين أييغون كرة قوية بيمناه من داخل المنطقة، لكنها مرت بجوار القائم الأيمن بسلام، وسط حسرة الجماهير الصفراء التي كانت تمني النفس بتعادل قبل الصافرة.
ميزان الشوط الأول.. "تشريح المباراة وعدالة الصافرة"
إذا ما نظرنا للشوط الأول بعين فاحصة، نجد أن الكونغو سيطرت بالاستحواذ والمبادرة، حيث مرر لاعبوها 242 تمريرة دقيقة بنسبة نجاح وصلت إلى 87%، وهو رقم يعكس النضج في بناء الهجمة.
في المقابل، ورغم قلة الاستحواذ(32%)، إلا أن بنين كانت الأكثر شراسة في الالتحامات، حيث تفوقت في 53% من الصراعات الثنائية الأرضية، مما يثبت أن “الزي الأصفر” لم يكن لقمة صائغة.
أما عن الصافرة التحكيمية، فقد كان الحكم حازماً في التعامل مع الاندفاع البدني العالي (5 مخالفات على الكونغو و7 على بنين).
قراره في ركلة الجزاء كان مدعوماً برؤية واضحة، كما أن البطاقات الصفراء لكل من موتوسامي وكايمبي كانت ضرورية لمنع المباراة من الانزلاق نحو العنف المفرط، خاصة في ظل التوتر الذي صاحب ضياع ركلة الجزاء.
أحداث الشوط الثاني: "دراما الـ VAR وصمود القلاع السماوية"
مع انطلاق الفصل الثاني من المواجهة، لم تمضِ سوى دقيقتين (د47) حتى انفجر الملعب فرحاً بهدف ثانٍ للكونغو عن طريق القناص سيدريك باكامبو، لكن الفرحة السماوية لم تدم طويلاً؛ إذ تدخلت تقنية الفيديو لتلغي الهدف بداعي التسلل على ناتانيل مبوكو، في لحظة حبست أنفاس الجميع ومنحت “السناجب” فرصة ذهبية للبقاء في المباراة.
بنين، بزيها الأصفر، لم تستسلم للواقع، بل اندفعت للهجوم مستغلةً تراجع الكونغو لتأمين النتيجة.
المشهد خلف المرمى ظل مشتعلاً بجمهور بنين الذي لم يتوقف عن قرع الطبول، وكأنهم يحاولون دفع الكرة نحو شباك “ليونيل مباسي” بقوة حناجرهم.
وفي الدقيقة 65، كادت بنين أن تعادل الكفة عبر روماريك أموسو البديل، لكن تسديدته اليسارية وجدت قفاز الحارس السماوي بالمرصاد.
مدرب الكونغو “ديسابر” شعر بالخطر، فأجرى سلسلة تبديلات بدأت بدخول نغالاييل موكاو (د55) لتأمين الوسط، ثم دفع بـ ميسشاك إليا وجورس كايامبي (د68) بدلاً من أرثر ماسواكو وصاحب الهدف بونجوندا، في محاولة لاستعادة السيطرة البدنية.
وفي الدقائق العشر الأخيرة، تحولت المباراة إلى صراع إرادات؛ حيث أهدر باكامبو رأسية خطيرة (د77) تصدى لها الحارس “ألاغبا” ببراعة، بينما ردت بنين بضغط رهيب في الدقائق العشر المضافة كوقت بدل ضائع، وتحديداً في الدقيقة 87 حين حامت الكرة فوق رؤوس المدافعين السماويين إثر رأسية توسين أييغون التي جاورت القائم الأيسر بسنتيمترات قليلة.
"دقائق الأنفاس المحبوسة".. حين رقص الموت الكروي فوق العشب
إذا كانت المباراة تُقاس بالدقائق، فإن هذه الملحمة قِيسَت بالنبضات التي كادت تتوقف! لقد شهد ملعب “المدينة” لحظات من الإثارة الخام، بدأت بدراما هدف “باكامبو” المُلغى الذي جعل الفرحة السماوية تتبخر في ثوانٍ تحت مقصلة الـ VAR لتعود الروح فجأة لجسد “السناجب”.
لكن المشهد المرعب حقاً تجسد في “الغزو الأصفر” خلف مرمى الكونغو خلال الشوط الثاني؛ حيث تحول المدرج إلى مرجل يغلي بأجساد بنينية لا تعرف الهدوء، وأصوات وهتافات زلزلت ثقة الدفاع السماوي.
وفي تلك اللحظات المجنونة من الوقت بدل الضائع، حبست الرباط أنفاسها في لقطة كادت تنهي الكبرياء الكونغولي؛ حين انسلّت الكرة بغرابة من بين ساقي حارس المرمى “ليونيل مباسي“ وتدحرجت ببطء قاتل نحو الشباك، قبل أن تختار في اللحظة الأخيرة أن تمر بجوار القائم بسنتيمترات، في مشهد جعل دكة بدلاء بنين تضع أيديها على رؤوسها ذهولاً، بينما سجد مدافعو الكونغو شكراً للقدر الذي رفض اهتزاز شباكهم في ليلة “حبس الأنفاس”.
تحت المجهر.. "تشريح المباراة وعدالة الصافرة"
بعيداً عن صخب العواطف، نفتح “دفتر الحساب” بميزان الكفاءة؛ حيث أثبت منتخب الكونغو أنه فريق “الاستحواذ الذكي“ بنسبة بلغت 60%، ونجح في إيصال 380 تمريرة دقيقة، مما جعله الطرف الأكثر تحكماً في ريتم المباراة.
ومع ذلك، عاب على “الفهود” نوع من “التراخي الذهني“ في الدقائق الأخيرة كاد يكلفهم الغالي. في المقابل، كانت بنين “ملك التحولات” وقدمت مباراة بطولية في الالتحامات، حيث فاز لاعبو الزي الأصفر بـ 50 صراعاً ثنائياً، ورغم أن أهدافهم المتوقعة كانت (0.49)، إلا أن خطورتهم الفعلية كانت تفوق الأرقام، خاصة مع الدعم الجماهيري الذي شتت تركيز خصمهم.
أما عن الصافرة، فقد أدار الحكم “أبونجيل توم“ اللقاء بمشرط الجراح وبهدوء يحسد عليه رغم الضغط الجماهيري:
. البطاقات الصفراء:
كان حازماً بإشهار 6 بطاقات مناصفة بين الفريقين لضبط الخشونة؛ فنال باكامبو إنذاراً (د64)، بينما حصل روماريك أموسو وراشيد موميني من بنين على إنذارات في الربع الأخير لتعطيل المرتدات السماوية.
. إدارة ركلة الجزاء والـ VAR:
تعامله مع ركلة الجزاء الضائعة وقرار إلغاء الهدف كانا شجاعين ودقيقين، مما حافظ على “شعرة معاوية” في مباراة اتسمت بالاندفاع البدني العنيف
الوقت القاتل:
أظهر شخصية قوية باحتساب 10 دقائق وقت بدل ضائع، منح فيها بنين فرصة عادلة للتعويض، لكن صمود القائد مبيمبا (بتقييم 7.7) ورفاقه حال دون تغيير النتيجة.
صدى الشارع والمدرجات.. "أسئلة القراء" (Venezuela Style) "نبض القراء في ليلة الحسم"
(Venezuela Style)
لقد أثبتت تفاعلاتكم وتساؤلاتكم التي انهمرت علينا منذ الصافرة الأولى، أننا لسنا مجرد متابعين لمباراة عابرة، بل نعيش ذروة الحدث الأفريقي بكل تجلياته؛ فهذا الزخم الجماهيري يعكس الأهمية القصوى للنسخة الحالية من “الكان” كواجهة لهوية القارة وتطورها الكروي.
إن أسئلتكم هي المرآة التي نرى من خلالها تفاصيل لم تلتقطها العدسات.
ونحن بدورنا نفتح الباب دائماً لكل تساؤلاتكم؛ لا تترددوا في مراسلتنا عبر البريد الإلكتروني أو “واتساب” الظاهر أدناه، لنحلل معاً خبايا الميدان:
بريد إلإكتروني info@nmanews.com
واتساب 00218928100001
1 . من لوساكا، يسأل “كلفين“: “هل تعتقد أن صمود الكونغو بالزي السماوي هو رسالة تحذير للسنغال في الجولة القادمة؟”
. التحليل:
يا كلفين، الفهود أثبتوا امتلاكهم “شخصية البطل” بالقدرة على المعاناة والصمود. الفوز بنسبة 54% من الثنائيات الأرضية هو تحذير مباشر لـ “أليو سيسيه” بضرورة الحذر من قوة بدنية لا ترحم في المواجهة القادمة.
2 . من بورتو نوفو، يسأل “موديبو“: “لماذا حصل سيدريك باكامبو على تقييم 6.4 رغم خطورته الكبيرة؟”
. التحليل:
أهلاً يا موديبو. التقييم الرقمي تأثر بإهداره فرصتين محققتين (xG59) وحصوله على إنذار، بالإضافة لكونه كان سبباً في إلغاء الهدف الثاني بداعي التسلل، مما حرم فريقه من حسم النتيجة مبكراً.
3 . من الرباط، يسأل “عمر“: “كيف أثر صياح جمهور بنين الأصفر خلف المرمى على حارس الكونغو في اللحظات الأخيرة؟”
. التحليل:
يا عمر، كان ذلك “اللاعب رقم 12” بامتياز! الضغط الصوتي كاد يتسبب في كارثة حين مرت الكرة بين ساقي الحارس، فالمدرج الأصفر كان يُصوب كراته الخاصة نحو معنويات “مباسي نزو” طوال الشوط الثاني.
4 . من الرباط، يسأل “سفيان“: “هل أثر إلغاء هدف باكامبو بالـ VAR على ثقة الهجوم السماوي في إنهاء المباراة؟”
. التحليل:
بلا شك يا سفيان، الهدف الملغى مثّل “فرملة” للاندفاع الهجومي. الفهود فضلوا بعد تلك اللحظة تأمين النتيجة بدلاً من المغامرة، وهو ما جعل الدقائق الأخيرة عصيبة جداً على الأعصاب.
5 . من كوتونو، يسأل “ماتيو“: “بنين سددت 11 مرة مقابل 12 للكونغو، ألا ترى أن التعادل كان النتيجة العادلة؟”
. التحليل:
أهلاً يا ماتيو. لغة الأرقام تقول أن بنين كانت قريبة جداً (أهداف متوقعة 0.49)، لكن “الجودة” في اللمسة الأخيرة وحسم بونجوندا هما ما صنعا الفارق. بنين كسبت الاحترام، والكونغو كسبت النقاط الثلاث.
"انتهت البداية.. وبقي الحلم السماوي"
بصافرة “أبونجيل توم”، طُويت صفحة ملحمة الرباط بفوزٍ سماوي شاق. غادر الجمهور الأصفر المدرجات بحسرة الفرص الضائعة، بينما احتفلت الفهود بأول ثلاث نقاط تضعهم في صدارة المجموعة الرابعة مؤقتاً.
انتهى قرع الطبول في ملعب “المدينة”، لكن صدى هذا الصمود سيتردد طويلاً في حسابات المجموعة الحديدية.
🎶 "من بوابة الأطلس للعالم: هنا يتوحد صوت القارة! على صوت الطبل ندخل الملعب... الكان هو دارنا!" 🎶
المغرب يعد بأكثر من مجرد كأس أمم؛ إنه يعد برحلة إلى جوهر الشغف والتاريخ. حان الوقت لقرع الطبل… الكان هو دارنا!